الدجال .. حقيقة أم خيال ؟
محمد أبو القاسم
السبت 14 يونيو 2014

الدجال .. حقيقة أم خيال ؟

 

المقدمة
الحمد لله القادر الواحد الذي غلبت عظمته كل خلقه وكلٌ أتوه داخرين والحمد لله الذي أمره بين الكاف والنون فما شاء كان وما شاء لم يكن والحمد لله الذي ميز الإنسان بالعقل وبه استحق المدح والثناء فقال جل وعلا " لآيات لقوم يعقلون " وقال " وما يتذكر إلا ألو الألباب "
والصلاة والسلام على النبي المصطفى المبعوث رحمة للعالمين والمعصوم في الدارين عن الخطأ والزلل ولا يشك في ذلك إلا من لا علم له بعظم النبوة وعظم سيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
اللهم اجعلنا ممن يحشر في زمرة المحبين له والمقبولين على حوضه إنك سميع مجيب ......آمين
وبعد :
فكما قال الإمام مالك رضي الله عنه " كل يأخذ منه ويرد إلا صاحب ذلك القبر عليه الصلاة والسلام " فهذا بحث في أحاديث المسيح الدجال وهي رأيٌ و نظرة ارتأيتها وكان لبعض العارفين في هذا البحث سبيل فإن أحسنت فمن الله وإن أسأت فمن نفسي .
فأقول إن البحث في موضوع الدجال والفتن بشكل عام من الأمور التي شغلت الكثيرين واستدعت من البعض الكتابة في بيان ماهية هذه الفتن ( الدجال ) بين منكر ومؤيد وكان لما قاله الإمام أحمد دور في هذه الأبحاث حيث قال الإمام رضي الله عنه " ثلاث لا أصل لها وذكر الفتن " وقد جعلت مستندي في بحثي هذا هو الأحاديث الصحيحة سندا في صحيحي مسلم والبخاري . ولقائل أن يقول إن البحث في هذه الكتب هو من قبيل جمع ذراة الهواء وتحصيل الحاصل فلا داعي للبحث في هذه الأحاديث حيث أجمعت الأمة على صحت ما في الصحيحين من الحديث فأردت أن أنقل عبارات لإمام من كبار أئمة الحديث وهو الإمام ( أبي إبراهيم محمد بن اسماعيل المعروف بالأمير الصنعاني ) صاحب كتاب " توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار " حيث قال رحمه الله " إن الفطرة السليمة مجبولة على الشك في المنكر والغريب حيث قال تعالى " أفلم يتدبروا القول " وقال " أم جاءهم ما لم يأتي آباءهم الأولين " ففي الآية دليل على نكران الشاذ والغريب لدى الفطرة السليمة ولأجل ذلك قال عليه السلام " حدثوا الناس بما يعقلون أتحبون أن يكذب الله ورسوله " وهو دليل على النفرة من الشاذ من الأقوال المستغربة وأيضا حديث ذي اليدين إن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر ما قاله لتفرده به حتى وافقه عليه الحاضرون " وأيضا قال رحمه الله " إن الحديث يعلل من أوجه ليس للجرح فيها مدخل فإن الحديث المجروح ساقط واه وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات بأن يحدثوا بحديث له عله فتخفى عليهم والحجة عندنا في العلم الفهم والمعرفة "
هذه الأقوال التي قالها رحمه الله وفيها الصواب إن شاء الله أما عن دعوا الإجماع منتقدة بأن الإجماع لم يكن على كل حديث في الصحيح وإنما هو مجمل الأحاديث وبالأخص أحاديث الباب
وبعد ما قاله رحمه الله فإني أتمثل قول الإمام الشافعي رحمه الله عندما قال إن وافق ما أقول كلام الله وسنة رسوله فهو قولي ومذهبي وإن خالف قولي قول الله أو رسول فاضربوا به عرضالحائط
أما طريقة البحث فهي على النحو التالي :
1 ذكر بعض علل المتون والتعليق على بعضها بإيجاز
2 ذكر الحديث المروي في صحيح البخاري أو مسلم كاملا
3 ذكر ما ظاهره التعارض وبيان وجه التعارض في الحديث
4 التعليق على الحديث مباشرة بذكر ما هو مقبول أو مرفوض على حسب شروط نقد المتن
5 ذكر الآراء المتعدد في الموضوع بين الموافق والمعارض
6 محاولة الترجيح والتوفيق بين الآراء
7 وأخير الرأي الذي أخلص إليه بعد هذه الدراسة والبحث
والله الموفق والهادي
ما ذكر من علل المتون والكشف عنها

• ذكر علل المتون
1- ما كانت علته إحالة المعنى كليا أو جزئيا
2- ما كانت علته تحريفا في لفظ من ألفاظه
3- ما كانت علته إدراج كلام أخر فيه ليس منه
4- ما كانت علته أنه لا يشبه كلام النبوة .
5- وقد وضع ابن قيم الجوزية قواعد لمعرفة الحديث من بينها فساد المعنى، وهي الأحاديث التي يكذبها الحس والواقع، أو كان الحديث يخالف الحقائق التاريخية، أو اقترن بقرائن ثبت بطلانها. ويقول: "إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول أو يناقض الأصول فاعلم انه حديث موضوع
كيف يعرف الحديث المعلل ؟
1 أن يجمع المحدث روايات الحديث الواحد قال ابن المديني : الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطأه .(نور الدين

2 أن يوازن بينها سندا ومتنا فيرشده اختلافها واتفاقها على موضع العلة ( نور
3 أن يتضاد الحديثان بحيث لا يمكن الجمع بينهما
4 ألا يخالف الحديث قواطع العقل الصحيح المتفق عليها

والعلة في الحديث الصحيح أو غيره من أسباب رده وعدم قبوله كما أقره العلماء في قواعد علوم الحديث ( )

من علوم المتن
الحديث المشكل ( مختلف الحديث ) \: وهو ما تعارض ظاهره من القواعد فأوهم معنى باطلا أو تعارض مع نص شرعي آخر
فمن الأمثلة على هذا ما في الصحيحين وهو متفق عليه حديث أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أحاديث منها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام فقال له أجب ربك قال فلطم موسى عليه السلام عين ملك الموت ففقأها قال فرجع الملك إلى الله تعالى فقال إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني قال فرد الله إليه عينه وقال ارجع إلى عبدي فقل الحياة تريد فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما توارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة قال ثم مه قال ثم تموت قال فالآن من قريب رب أمتني من الأرض المقدسة رمية بحجر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر. متفق عليه
فهذا من الأحاديث التي تعارض نصوص شرعية في القرآن الكريم وأقوى دلالة وأقطع في المفهوم وهي كون الملائكة مخلوقة من نور وليس بمادة ( )

الحديث المضطرب \: هو الحديث الذي يروى من قبل راو واحد أو أكثر على أوجه مختلفة متساوية لا مرجح بينها ولا يمكن الجمع بينها
وحكم الحديث المضطرب أنه يوجب ضعف الحديث لأنه يشعر بعدم ضبط الراوي للحديث
ومثاله حديث فاطمة بنت قيس قالت سأل أو سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الزكاة فقال ( إن في المال لحقا سوى الزكاة ) والرواية الأخرى ( ليس في المال حق سوى الزكاة) ( )
الحديث المحكم \: وهو الذي لا معارض له بوجه من الوجوه
وهذا هو الحديث الذي عليه مدار الأحكام حيث أنه لا معارض له ولا ناقد

العلل في المتن والسند

كيف يعرف الحديث المعلل
1 أن يجمع المحدث روايات الحديث الواحد ويوازن بينها سندا ومتنا فيرشده اختلافها واتفاقها على موطن العلة مثاله ما أورده ابن الصلاح في حديث البسملة في علة المتن
ونورد قول الإمام ( محمد بن إسماعيل المعروف بالأمير الصنعاني) إن الحديث يعلل من أوجه ليس للجرح فيها مدخل فإن حديث المجروح ساقط واه وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة فتخفي عليهم والحجة عندنا في العلم هي الفهم والمعرفة)

وقد وُجد بين أئمة الفقه القدامى من كانوا ينظرون إلى متن الحديث فينقدونه ويردونه إذا رأوا فيه شذوذاً في المعنى، من دون الالتفات إلى إسناده، لأن الغرض من البحث عن صحة الإسناد هو الوصول إلى صحة المعنى، فإذا كان المعنى فاسداً فيجب رده من دون اعتبار لأي شيء آخر. وكان من أولئك الفقهاء الإمام أبو حنيفة، فكان ينظر إلى متن الحديث فيرده إذا رآه شاذاً أيا كان رواته هذا ( ).
و مثاله الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري جاء في معرض سؤال وُجّه للنبي صلى الله عليه وسلم بعد ما رجع من غزوة تبوك، سألوه عن قيام الساعة فقال: "لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة)
ومنها حديث "أن يهودياً رضخ رأس جارية بين حجرين، فرضخ النبي صلى الله عليه وسلم رأسه بين حجرين".
قال أبو حنيفة أنه كذب وهذيان".
يقول ابن عبد البر: ("أن أهل الحديث جرحوا بأبي حنيفة لأنه كان يرد كثيراً من أخبار العدول. فكان يذهب إلى عرضها على ما اجتمع لديه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذ عن ذلك رده وسماه شاذاً". وقد أحصوا عليه أنه أفتى بأكثر من مئتي مسألة خالف فيها الحديث وعمل بالرأي)
صحيح لأن هذا الحديث يخالف الحديث القائل " لا قود إلا بالسيف "
وكان أبو حنيفة يرد على الذين يتهمونه بالخروج على السنّة فقال: "ردي على رجل يحدث عن رسول الله بخلاف القرآن ليس رداً على النبي صلى الله عليه وسلم ولا تكذيباً له، ولكنه رد على من يحدث عن رسول الله بالباطل، والتهمة دخلت عليه وليس على نبي الله".
ويقول: "كل شيء تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين. فقد آمنّا به وشهدنا أنه كما قال
وهذا القول يدل على أن أبا حنيفة كان غير قانع بصحة معظم أحاديث الآحاد التي كانت تروي في عصره، والتي أدخلت فيما بعد في الصحيحين


الـدجـال حقـيقـة أم خيــال
بعد النظر في مجموع الأحاديث التي ذكرت الدجال بين حديث معتبر و مردود وأقوال علماء أثبتوا ونفوا تبين أن المسيح الدجال سيكون له وجود حقيقي ومن الأحاديث الدالة على هذا والتي لم يوجه لها النقد قوله صلى الله عليه وسلم
1- مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْف عُصِمَ مِنْ الدَّجَّال (مسلم ص12)
2- يَجِيءُ الدَّجَّالُ حَتَّى يَنْزِلَ فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ ( البخاري ص10)
3- هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ (مسلم ص9)
4- وَرَأَيْتُ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ وَالدَّجَّالَ فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللَّه ( البخاري ص7)
5- إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَهُ( البخاري ص6)
6- لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ (البخاري ص5)
7- أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّال(البخاري ص4)
ثم بعد ذلك فقد نقل الحديث عن حقيقة الدجال عن كبار أئمة الإسلام
فهذه الأحاديث دالة على وجود الدجال حقيقة دون التطرق إلى القدرات الخاصة التي ذكرت في الأحاديث التي وجه لها النقد في متنها من حيث تعارض في المتون أو بعض نصوص الشريعة

المـسيـح الــدجــال

الدجال :/ يقول الإمام ابن حجر رضي الله عنه هو من فعال بفتح أوله والتشديد من الدجل وهو التغطية وسمي الكذاب دجالا لأنه يغطي الحق بباطله ويقال دجل البعير بالقطران إذا غطاه وقيل لضربه نواحي الأرض وقد اختلف في تسمية الدجال على عشرة أقوال

الأحاديث الواردة في صحيح البخاري وذكر التعارض فيها

كتاب الوضوء 178
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي فَقُلْتُ مَا لِلنَّاسِ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ فَقُلْتُ آيَةٌ فَأَشَارَتْ أَيْ نَعَمْ فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوْ الْمُوقِنُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ فَيَقُولُ هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا فَيُقَالُ لَهُ نَمْ صَالِحًا فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوْ الْمُرْتَابُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ

( إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ )
في هذا الحديث ظاهر الشك من الراوي أن فتنة الدجال هل هي مثل القبر أو قريب والقرب قد يكون بالأكثر والأقل ( والأقل أظهر) وإن افترضنا أنها أكثر حيث أن من فتنة الدجال أنه يرد الناس عن دينهم بأنه إله ويحيى ويميت وله جنة ونار فهذا التشبيه ليس سديدا من حيث أننا نعلم أنه ليس هناك فتنة أكثر من أن يفتن المرء في دينه ثم إن فتنة القبر ليس فيها رد الإنسان عن دينه وإنما هو يمكث للسؤال وهو بحسب العمل الذي عمل المرء فهو من كسبه والله أعلم

 

 

 

 

 

 

 
  
 
 
1302929

الدولة عدد الزوار
2
76
1
1
1