خاتم النبيين وبيان زيف عقيدة الاحمدية
محمود سعد مهران
الثلاثاء 28 يوليو 2015

يزعم غلام أحمد أن النبوة لم تختم بمبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم , وفي هذه الدعوى الكذب الواضح على الله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم . بل ويزعمون أن السيدة عائشة رضوان الله عليها قالت : " قولوا خاتم النبيين ولا تقولوا لا نبي بعده " . وهذا كذب على السيدة عائشة !

 

يقول الغلام : "فاعلموا يقيناً أن وسيلة العرفان الكامل هي الوحي الرباني الذي أوتيه أنبياء الله الأطهار ، ثم من بعدهم لم يُرد الله أن يوصد باب الوحي في المستقبل فيهلك العالم ، بل إن أبواب وحيه ومكالمته سبحانه لمفتوحة إلى الأبد "( فلسفة تعاليم الإسلام ص 140).

 

ويقول الكذاب الأشر غلام أحمد : " إن رؤية الله في الدنيا إنما هي أن يكلم الإنسان ربه بحيث يتاح للعبد أن يكون بينه وبين الله مثل السؤال والجواب مرارا وفي حالة يقظة تامة ، حيث العبد يسأل والرب يجيب ويتكرر هذا الحوار بينه وبين الله سؤالاً وجوابا حتى يبلغ هذا السؤال والجواب عشر مرات على الأقل في مناسبة واحدة " ( فلسفة تعاليم الإسلام ص 136 ) .

 

ثم يعقب هذا الأفاك على ما سبق في نفس الكتاب " فلسفة  تعاليم الإسلام " تحت عنوان: " تشرف صاحب المقال بمكالمة الله وخطابه " . فيقول : " وإن مرتبة التشرف بمخاطبة الله ومكالمته التي فصلتها الآن ميسرة لي بفضل الله وعنايته " ( فلسفة تعاليم الإسلام ص 138) .

 

 

 

يقول الله تبارك وتعالى  : {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً }الأحزاب40 .

 

وقد صرحت هذه الآية بأن النبوة والرسالة ختمت بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم , وإنما ختمت النبوة به , لأن الله شرع له من الشرائع ما ينطبق على مصالح الناس في كل مكان وزمان , والقرآن الكريم لم يدع شيئًا من أمهات المصالح إلا جلاّها , ولا مكرمة من أصول الفضائل إلا أحياها , فتمت الرسالات برسالته إلى الناس أجمعين , وظهر مصداق ذلك بخيبة كل من ادعى النبوة بعده صلى الله عليه وسلم إلى أن يرث الله الأرض من عليها , وعقيدة ختم النبوة بنبينا صلى الله عليه وسلم من القضايا العقدية التي قررها القرآن , وبينها خير الأنام صلى الله عليه وسلم , وأجمع عليها الصحب الكرام ومن تبعهم بإحسان .

 

فمازال المسلمون يعتقدون منذ مبعثه صلى الله عليه وسلم ولا يزالون يعتقدون إلى اليوم , أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فلا نبي ولا رسول بعده إلى يوم القيامة , وذلك المعنى الذي فهمه  الصحابة رضوان الله عليهم جميعا , وهم لذلك قاتلوا كل من ادعى النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم , وهذا هو المعنى الذي مازال المسلمون يفهمونه في جميع العصور المتعاقبة , فلم يقبلوا من بين أنفسهم رجلا ادعى النبوة .

 

قال الخطيب الشربيني : " والحاصل أنه لا يأتي بعده صلى الله عليه وسلم نبي مطلقًا بشرع جديد , ولا يتجدد بعده صلى الله عليه وسلم مطلقًا استنباء , وهذه الآية مثبتة لكونه خاتمًا على أبلغ وجه وأعظمه , وذلك أنها في سياق الإنكار بإن يكون بينه وبين أحد من رجالهم بنوة حقيقية , أو مجازية , ولو كانت بعده لأحد لم يكن ذلك إلا لولده, ولأن فائدة إثبات النبي تتميم شيء لم يأت من قبله وقد حصل به صلى الله عليه وسلم التمام فلم يبق بعد ذلك مرام " ( السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم 3/238 ) .

 

ويقول عبد القاهر البغدادي - رحمه الله-: " وقد تواترت الأخبار عنه بقوله: «لا نبي بعدي» " ( أصول الدين للبغدادي ص158 ) .

 

وسأذكر الآن بعض الأحاديث النبوية الدالة على ختم النبوة والرسالة به صلى الله عليه وسلم ، فمن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم، فرفع إليه الذراع - وكانت تعجبه - فنهس منها نهسة ثم قال: «أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذلك؟» ثم ذكر الشفاعة من بعض الأنبياء واعتذارهم عن القيام بها، حتى يذهب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون له: «يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، استغفر لنا إلى ربك...» " .

 

ففي هذا الحديث نص على أن النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء ، وأن الناس في الموقف يعرفون ذلك ويقولونه ، ثم إن عدم إحالة النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة إلى أحد بعده كما فعل من قبله من الأنبياء والمرسلين يدل على أنه خاتمهم وليس بعده نبي غيره صلى الله عليه وسلم .

 

وقد صرَّح صلى الله عليه وسلم بأنه خاتم النبيين في أحاديث أخرى كثيرة ، منها ما رواه ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "«إن الله زوى لي الأرض» أو قال: «إن ربي زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض...» " . إلى أن قال : " «ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» " . (أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة ) .

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله...» " ( أخرجه البخاري ) .


ويلاحظ أنه ذكر في حديث أبي هريرة «قريب من ثلاثين»، وفي حديث ثوبان السابق جزم بثلاثين . وقد جمع بينهما ابن حزم فقال: " إن رواية الثلاثين بالجزم على طريق جبر الكسر ، ويحتمل أن يكون الذين يدعون النبوة منهم ما ذكر من الثلاثين أو نحوها، وأن من زاد على العدد المذكور يكون كذابًا فقط لكن يدعو إلى الضلالة كغلاة الرافضة والباطنية وأهل الوحدة والحلولية ، وسائر الفرق الدعاة إلى ما يعلم بالضرورة أنه خلاف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم " ( انظر : مجلة التوحيد , العدد 430, شوال 1428هـ).

 

وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء , كلما هلك نبي خلفه نبي, وأنه لا نبي بعدي " . وهذا الحديث يبين أن أنبياء بنو إسرائيل خلفوا بعضهم بعضا , أما النبي صلى الله عليه وسلم فلا يخلفه نبي أبدا .

 

ولقد قال صلى الله عليه وسلم : " لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب " ( رواه الترمذي وحسنه , وصححه الألباني في الجامع الصغير ) .

 

فعلم من ذلك الحديث أنه صلى الله عليه وسلم لا نبي بعده , سواء كان في نفس درجته أو أقل من درجته , بل حتى ولو كان من أتباعه صلى الله عليه وسلم , وإلا لكان الفاروق أولى بالنبوة من الغلام , فهو الملهم الذي وافق الوحي رضي الله عنه !

 

وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية , فجعل الناس يطوفون به , ويعجبون له , ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة , قال: فأنا اللبنة , وأنا خاتم النبيين " . وفي رواية مسلم عن جابر رضي الله عنه: " فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء " .

 

وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله : «باب خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم» ، كما ترجم مسلم له بقوله : «باب ذكر كونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين» ، وفي الحديث ضرب الأمثال للتقريب للأفهام وفضل النبي صلى الله عليه وسلم على سائر النبيين ، وأن الله ختم به المرسلين، وأكمل به شرائع الدين .

 

وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إني عبد الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات المؤمنين ترين» " ( أخرجه أحمد والحاكم وابن حبان ) .

 

كما أخبر صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة أنه لا يوجد فاصل بينه وبين الساعة، وهذا يفيد أنه ليس بعده نبي ، ومن ذلك ما رواه البخاري وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «بعثت أنا والساعة كهاتين» " .

 

قال ابن التين: " اختلف في معنى قوله: «كهاتين»، فقيل كما بين السبابة والوسطى في الطول ، وقيل المعنى: ليس بينه وبينها نبي" ( فتح الباري 11/349 ) .

 

وقال القرطبي: " معناه أنا النبي الأخير فلا يليني نبي آخر ، وإنما تليني القيامة كما تلي السبابة الوسطى وليس بينهما أصبع أخرى " ( التذكرة ص 711 ) .

كما دلت أسماؤه صلى الله عليه وسلم على أنه خاتم الأنبياء ، ومن ذلك ما رواه محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه رضي الله عنه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي، الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب» " ( أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ) .

 

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء، فقال: «أنا محمد، وأحمد، والمقفى، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة»" ( أخرجه مسلم ) .

 

وقد جاء في هذين الحديثين ثلاثة أسماء كل واحد منها يدل على ختم النبوة والرسالة به صلى الله عليه وسلم ، وهذه الأسماء هي: الحاشر ، والعاقب ، والمقفى ، وإليكم معنى كل اسم منها ودلالته على عقيدة ختم النبوة :

 

فالحاشر وضح النبي صلى الله عليه وسلم معناه في حديثه ، حيث قال: «وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي» ، وقد فسر ابن حجر معناه فقال : " أي على أثري ، أي أنه يحشر قبل الناس ، وهو موافق لقوله في الرواية الأخرى: «يحشر الناس على عقبي»، ويحتمل أن يكون المراد بالقدم الزمان ، أي وقت قيامي على قدمي بظهور علامات الحشر، إشارة إلى أنه ليس بعده نبي ولا شريعة " ( فتح الباري 6/557 ) .

 

وأما العاقب فقد فسر بأنه الذي ليس بعده نبي ، قال ابن منظور: " والعاقب: الآخر. قال أبو عبيد: العاقب آخر الأنبياء، وفي المحكم آخر الرسل " (لسان العرب لابن منظور جـ1/614 ) .

 

وقال ابن القيم: " والعاقب: الذي جاء عقب الأنبياء، فليس بعده نبي، فإن العاقب هو الآخر، فهو بمنزلة الخاتم، ولهذا سمي العاقب على الإطلاق، أي : عقب الأنبياء جاء عقبهم" ( زاد المعاد 1/94 ) .

 

وأما المقفي فمعناه أيضا الآخر . قال ابن منظور: " قال شمر: المقفى نحو العاقب ، وهو المولي الذاهب . يقال : قفى عليه أي ذهب به ، وقد قفى يقفي فهو مقف، فكأن المعنى أنه آخر الأنبياء المتبع لهم، فإذا قفى فلا نبي بعده " ( لسان العرب 15/194 ) .

 

وقال ابن القيم: " وأما المقفي فكذلك، وهو الذي قفى على آثار من تقدمه ، فقفى الله به على آثار من سبقه من الرسل ، وهذه اللفظة مشتقة من القفو ، يقال: قفاه يقفوه : إذا تأخر عنه، ومنه قافية الرأس ، وقافية البيت ، فالمقفي : الذي قفى من قبله من الرسل ، فكان خاتمهم وآخرهم " ( زاد المعاد 1/94 ) .

 

وقد ذهب غلام أحمد إلى تأويل لفظة  " خاتم النبيين " بأنها تعني أفضل النبيين وزينتهم !

 

إن علماء اللغة يقولون : " الخاتم " بمعنى الآخر , كما في " لسان العرب " , وكذا قول ابن سيده في كتابه " المحكم" , والأزهري في " التهذيب " , ولم يذكر أحد من هؤلاء الأئمة أو غيرهم كصاحب الصحاح , وصاحب المصباح , وصاحب القاموس , وكذا صاحب أساس البلاغة : أن الخاتم يكون بمعنى الأفضل , والمفسرون بالإجماع يقولون : (خاتم النبيين ) أي آخرهم . وهذا فضلا عن الصحابة والتابعين الذين لم يرد عنهم أن الخاتم بمعنى الأفضل وليس الآخر !

 

ولقد تجرأ الغلامية على الزعم بأن فهم الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة وكذا الأمة لمعنى ( خاتم النبيين ) فهم " تقليدي " . ألا لعنة الله على القوم الكافرين !

 

فهل أنتم ونبيكم الكذاب الأشر , أعظم فهما , أرجح عقلا من النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال أنه لا نبي بعده , وهل أنتم أحرص على الإتباع من الصحابة رضوان الله عليهم الذي حملوا المعاني النبوية إلى الأمة كما سمعوها وتعلموها وفهموها , حتى لا يأتي أمثال نبيكم المخرف ليضل الناس عن سبيل الله بوحيه الشيطاني !

 

بل إن دعوى الغلام هذه , اتهام للنبي صلى الله عليه وسلم بالتضارب والهذيان , والخيانة والكتمان وحاشاه صلى الله عليه وسلم !

 

فالغلام عليه لعنة الله يقول لنا , أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال : "لا نبي بعدي" كان يعني أن هناك نبيا بعده !

 

قال ابن عطية في تفسيره : {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً }الأحزاب40 : " هذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة خلفا وسلفا متلقاة على العموم التام , مقتضية نصا : أن لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم". ( المحرر الوجيز 5/242 ) .

 

وقال الإمام ابن كثير في تفسيره : " وقد أخبر الله تعالى في كتابه , ورسوله في السنة المتواترة عنه : أنه لا نبي بعده , ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده , فهو كذاب أفاك دجال مضل " . ( تفسير القرآن العظيم 6/205 ) .

 

وقال الإمام الآلوسي في تفسيره : " وكونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين مما نطق به الكتاب, وصدعت به السنة , وأجمعت عليه الأمة , فيكفر مدعي خلافه , ويقتل إن أصر". ( روح المعاني 8/25 ) .

 

لقد حارب آل البيت والصحابة رضوان الله عليهم كل من ادعى النبوة بعده صلى الله عليه وسلم , فلو كان الأمر كما زعم الغلام , ما حارب آل البيت والصحابة رضوان الله عليهم مسيلمة وسجاح والأسود العنسي , وما قتل مصعب بن الزبير رضي الله عنه المختار بن أبي عبيد الثقفي , وما أباد صلاح الدين رضي الله عنه ملك عبد الله بن ميمون القداح ! بل إن دعوى الغلام , اتهام للصحابة وآل بيته صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة المعصوم بسوء الفهم والضلال .

 

ويقول الغلام : " أنا أفضل من جميع الأنبياء والرسل " ( حقيقة الوحي ص 72 ) .

 

وفي صحيفة الفضل , المجلد الرابع عشر ( 29إبريل سنة 1972م ) : ( إنه – أي الغلام – كان أفضل من كثير الأنبياء , ويمكن أن يكون أفضل من جميع الأنبياء ) .

 

يقول " بشير الدين محمود " نجل غلام أحمد وخليفته الثاني : ( إن غلام أحمد أفضل من بعض أولي العزم من الرسل ) (حقيقة النبوة ص 257 ) .

 

 ويقول أيضا : ( لقد اعتقدوا أن كنوز الله قد نفدت , وما قدروا الله حق قدره , إنكم تتنازعون في نبي واحد – يعني غلام أحمد - , وأنا أعتقد أنه سيكون هنالك ألف نبي , بعد محمد صلى الله عليه وسلم ) ( أنوار خلافت ص 62 ) .

 

لقد أحدث ذلك فوضى في " النبوة " وفقدت كلمة " النبوة " جلالتها وحرمتها وقداستها, وأصبحت ألعوبة وعبثا , وكثر المتنبئون ومدعو الإلهام في القاديانية الغلامية, وقد عد منهم الأستاذ " محمد إلياس البرني " إلى عام 1355هـ سبعة أنبياء!

 

لقد استدل الغلامية على صحة نبوة الغلام بعد قوله صلى الله عليه وسلم : "لا نبي بعدي" بعدة أحاديث مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم , ومنها :

 

1- "يا عباس أنت خاتم المهاجرين كما أنا خاتم النبيين" . ويقولون : هنا الخاتم بمعنى الأفضل, لأن الهجرة لم تختم بالعباس . وهكذا الغلامية يأتون بأحاديث مكذوبة ومنكرة , لإثبات صحة معتقدهم الفاسد !

والحديث في " ميزان الإعتدال " للذهبي , وفي " كنز العمال " لعلي المتقى الهندي , وفي إسناد هذا الحديث راويان أحدهما الحارث بن الزبير , قال فيه الأزدي : "ذهب علمه" (ميزان الإعتدال 1/433) .

والثاني إسماعيل بن قيس بن سعد، قال فيه البخاري والدارقطني: "منكر الحديث". وقال النسائي وغيره: "ضعيف". ونقل بن القطان أن البخاري قال: "كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه" ( ميزان الإعتدال 1/6 ) .

وقال ابن عدي : حدثنا أحمد بن الحسين الصوفي حدثنا سعيد بن سلمة الأنصاري حدثنا إسماعيل بن قيس حدثنا أبو حازم عن سهل عن سعد قال: "استأذن العباس النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة فكتب إليه: يا عم، أقم مكانك فإن الله  يختم بك الهجرة كما ختم بي النبوة". ثم قال بن عدي: "عامة ما يرويه منكر" ( ميزان الإعتدال 1/245 ) .

 

وعلى سبيل التنزل يمكن أن يجاب عن ذلك أن العباس بن عبد المطلب هاجر قبيل فتح مكة إلى المدينة فصار خاتم المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة لأنه لا هجرة بعد فتح مكة  من مكة , كما ورد في الحديث الصحيح  الذي أخرجه البخاري : " لا هجرة بعد الفتح" . أي بعد فتح مكة , وإلى هذا المعنى يشير حديث سهل بن سعد: "يا عم أقم مكانك فإن الله يختم بك الهجرة كما ختم بي النبوة" فالمراد بخاتم المهاجرين آخر المهاجرين فلا يثبت دعوى المبشر القادياني أن المراد بخاتم النبيين أفضل النبيين ، فهذا الإستدلال في غاية الوهن والفساد ، والله يهدي من يشاء إلى سبيل الرشاد .

 

2- " لو عاش إبراهيم لكان صديقا نبيا " ( أخرجه ابن ماجة ) . ويقولون : في هذا الحديث دلالة على إمكان النبوة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم , والجواب عن ذلك من وجوه :

 

أ- هذا الحديث حسب الإسناد في غاية الوهن والفساد ، فيه أبو شيبة بن إبراهيم بن عثمان ، قال السندي في تعليقه على سنن لابن ماجه: "وفي الزوائد في إسناده إبراهيم بن عثمان أبو شيبة قاضي واسط. قال فيه البخاري: "سكتوا عنه" . ( السنن لابن ماجة 1/460 ) .

وقال ابن المبارك: "ارم به". وقال بن معين : "ليس بثقة". وقال أحمد: "منكر الحديث". وقال النسائي: "متروك  الحديث" , وقال الذهبي : "كذبه شعبة" . ( ميزان الإعتدال 1/47).

فهذا الراوي متفق على ضعفه فكيف يحتج بروايته ؟!

 

ب- قد رويت آثار عن الصحابة تدل على خلاف ما استدل به الغلامية ، منها ما روى عبد الله بن أبي أوفى ، قيل له : "رأيت إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مات وهو صغير ولو قضي أن يكون بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي لعاش ابنه ولكن لا نبي بعده". ( رواه البخاري في صحيحه وابن ماجه وأحمد في مسنده ولفظه: "ولو كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم نبي ما مات ابنه إبراهيم" ) .

وعن أنس قال: "رحمة الله على إبراهيم لو عاش لكان صديقا نبيا" ( أخرجه أحمد بسند صحيح على شرط مسلم ورواه ابن ماجه في مسنده وزاد في روايته: "ولكن لم يكن ليبقى، لأن نبيكم آخر الأنبياء ". ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري وصححه 10 / 577 ) .

وهذه الروايات وإن كانت موقوفة فلها حكم الرفع إذ هي من الأمور الغيبية التي لا مجال للرأي فيها.

 

ج- إن كلمة "لو" لا تدل على الوقوع والثبوت كما ورد في القرآن الحكيم: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} الأنبياء22 .

 

3- "أنا آخر الأنبياء ومسجدي آخر المساجد". ( أخرجه مسلم ) , ويقولون : قد بنيت مساجد كثيرة بعد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون هذا إلا تعبيرا عن فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم .

وهؤلاء كعادتهم , حرفوا الحديث بقطعهم لمتنه , قال الإمام مسلم في صحيحه : ( عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي عبد الله الأغر - وكانا من أصحاب أبي هريرة - أنهما سمعا أبا هريرة يقول : "صلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء وأن مسجده آخر المساجد" ) .

وفي رواية: ( قال لنا عبد الرحمن بن إبراهيم أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى عليه وسلم: "فإني آخر الأنبياء ومسجدي آخر المساجد " ) .

 

في هذا الحديث مقارنة بين المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم في الثواب كما ورد في هذا الباب حديث آخر يدل على فضل المساجد الثلاثة أي المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى .

فهذا السياق يدل على أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "مسجدي آخر المساجد" أي آخر مساجد الأنبياء .

ولا شك أن هذه المساجد الثلاثة أسست بأيدي الأنبياء وتحت إشرافهم فتكون كلمة "أل" في المساجد عوضا عن المضاف إليه , فصار المعنى مسجدي آخر مساجد الأنبياء.

وهذا يوافق ما ذكرناه من النصوص الصريحة الصحيحة التي تدل على انقطاع النبوة بجميع أنواعها , فلا بد من تقديم المنطوق الصريح على المفهوم المشكوك فيه كما صرح به علماء الأصول .

 

ويؤيد هذا المعنى ما أخرجه البزار في مسنده من زيادة في هذا الحديث هو قوله صلى الله عليه وسلم : " أنا خاتم الأنبياء ، ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء ، أحق المساجد أن يزار ويشد إليه الرواحل المسجد الحرام ومسجدي " ( ذكره المنذري في "الترغيب والترهيب " وسكت عنه 2/214 ) .

وهذه الزيادة أخرجها ابن النجار في " الدرة الثمينة " 2/357 , والديلمي في الفردوس كما أشار إلى ذلك المتقى الهندي في كتابه "كنز العمال" في باب فضل الحرمين 5/361 على هامش المسند للإمام أحمد .

وأخرج الهيثمي هذا الحديث في كتابه " مجمع الزوائد " ونسبه إلى البزار، وقال: "فيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف" ( ميزان الإعتدال 4 / 213 ) .

ولكن مع ضعف هذه الزيادة يستأنس بها لأن سياق الحديث الصحيح يوافق هذه الزيادة.

 

4- " أنا خاتم الأنبياء وأنت علي خاتم الأولياء ".

أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه من طريق عمر بن واصل وقال: "هذا من عمل  القصاص وضعه عمر بن واصل أو وضع عليه "( تاريخ بغداد 10/358 ) .

وقال الذهبي : " عمر بن واصل الصوفي شيخ روى عن سهل بن عبد الله اتهمه الخطيب بالوضع" (ميزان الإعتدال 3/230 ) .

قال مؤلف مجمع البحار (مجمع بحار الأنوار) محمد طاهر الهندي الفتني : " لفظ خاتم الأولياء باطل لا أصل له ، فإن خاتم الأولياء آخر مؤمن بقي من الناس وليس هو خير الأولياء ولا أفضلهم فإن خيرهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما " ( مجمع البحار ج3 ص518 فصل في الخاتمة ) .

 

5- " أبو بكر خير الناس إلا أن يكون نبي" .

أخرجه الطبراني وابن عدي , وقال المناوي في " فيض القدير شرح الجامع الصغير للسيوطي" : " قوله إلا أن يكون نبي أي يوجد نبي فلا يكون خير الناس يعني هو أفضل الناس إلا نبي والمراد الجنس و(يكون) هنا تامة و(نبي) مرفوع بها، والإستثناء لإخراج عيسى عليه السلام " (فيض القدير ج1 ص90 وميزان الاعتدال للذهبي ج1 ص231) .

وفي " الميزان " قال الذهبي : " تفرد به إسماعيل هذا فإن لم يكن هو وضعه فالآفة ممن دونه" (ميزان الإعتدال 3/230 ) .

وقال الهيثمي بعد عزوه للطبراني: "فيه إسماعيل بن زياد الأيلي ضعيف" (مجمع الزوائد ج9 ص44 ) .

خلاصة الكلام أن هذه الرواية في غاية الوهن حسب الإسناد بل يبلغ إلى درجة الموضوع كما صرح بذلك الذهبي .

 

6- عن عائشة رضي الله عنها قالت : "قولوا خاتم الأنبياء ولا تقولوا لا نبي بعده" ( الدر المنثور للسيوطي 5/204 ) .

إسناد هذا الأثر منقطع لأن فيه محمد بن سيرين الذي لم يسمع من عائشة شيئاً , قال الإمام ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: "ابن سيرين لم يسمع من عائشة شيئا" ( كتاب المراسيل ص 116 ) .

وقال البخاري: "لم يسمع ابن سيرين من عائشة رضي الله عنها شيئا" ( جامع التحصيل في أحكام المراسيل 2/635 , تهذيب التهذيب 9/216 ) .

 

 

 

 

 

 
  
 
 
1600200

الدولة عدد الزوار
113