حكم عيسى عليه السلام بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم آخر الزمان
د. سعد العضيلة
الخميس 10 نوفمبر 2016

الحديث الحادي والأربعون

 عن أبي هريرةt  أن رسول الله r قال: "كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟"، فقلت لابن أبي ذئب: إن الأوزاعي، حدثنا عن الزهري، عن نافع، عن أبي هريرةt"وإمامكم منكم" قال ابن أبي ذئب: "تدري ما أمكم منكم؟" قلت: تخبرني، قال: " فأمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى، وسنة نبيكم r".

تخريج الحديث:

·    أخرجه مسلم في "صحيحه" في الإيمان(1/137/ح246).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الحديث الثاني والأربعون

قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا رَوْح، حدثنا سعيد، وعبد الوهاب، أخبرنا سعيد عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب  tأن نبي الله rكان يقول: "إِنَّ الدَّجَّالَ خَارِجٌ، وَهُوَ أَعْوَرُ، عَيْنِ الشِّمَالِ عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ، وَإِنَّهُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى وَيَقُولُ لِلنَّاسِ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَمَنْ قَالَ: أَنْتَ رَبِّي فَقَدْ فُتِنَ، وَمَنْ قَالَ: رَبِّيَ اللَّهُ حَتَّى يَمُوتَ، فَقَدْ عُصِمَ مِنْ فِتْنَتِهِ، وَلَا فِتْنَةَ بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وَلَا عَذَابَ، فَيَلْبَثُ فِي الْأَرْضِ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَجِيءُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ، مُصَدِّقًا بِمُحَمَّدٍ، وَعَلَى مِلَّتِهِ، فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ، ثُمَّ إِنَّمَا هُوَ قِيَامُ السَّاعَةِ".

تخريج الحديث:

·  أحمد بن حنبل في "مسنده" (23/326/ح20151(، والطبراني في "المعجم الكبير"(7/221/ح 6919) كلاهما( الإمام أحمد، والطبراني)                         من طريق سعيد بن أبي عَرُوْبَة.

·  والروياني في "مسنده"(2/56/ح828)، والطبراني في "المعجم الكبير" (7/220/ح6918) كلاهما (الروياني، والطبراني) من طريق الحَجَّاج بن الحَجَّاج.

 كلاهما(سعيد بن أبي عَرُوْبَة، والحجاج بن الحجاج) عن قتادة، به، بمثله، ورواية الحَجَّاج بنحوه.

·     والطبراني في "المعجم الكبير"(7/261/ح7061) من طريق سليمان بن سمرة  به، بمثله.

دراسة الإسناد:

1. رَوْح([1]): هو ابن عُبَادة بن العَلاء بن حَسَّان أبو محمد البَصْري، ثقة، وقد سبق([2]).

2. عبد الوهاب: هو ابن عطاء، أبو نَصْر البَصْري.

روى عن: سعيد بن أبي عَرُوْبَة، وشعبة بن الحجاج، وعبد الله بن عمر العُمَري  وغيرهم، وعنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعباس الدُوري، وغيرهم.

وثقه من الأئمة يحيى بن معين، والدار قطني، وقال يحيى بن معين مرة: "ليس به بأس"، وقال ابن عدي، والنسائي في رأي: "لا بأس به"، وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "حديثه في درجة الحسن"، وقال الإمام أحمد: "كان يحيى بن سعيد حسن الرأي في عبد الوهاب الخَفَّاف"، وقال مرة: "يكتب حديثه"، وقال أبو حاتم: "يكتب حديثه محله الصدق"، وقال البخاري: "ليس بالقوي عندهم، وهو يحتمل"، وقال النسائي مرة:   "ليس بالقوي"، وقال الإمام أحمد رواية أخرى: "ضعيف الحديث مضطرب".

قال في "تقريب التهذيب": "صدوق ربما أخطأ".

والراجح أنه صدوق؛ لتعديل عامة الأئمة له، وهذا ما خلص له الحافظان الذهبي  وابن حجر، وهو القول الوسط، مع تدليس فيه، وهو في المرتبة الثالثة من مراتب التدليس التي لا بد فيها من التصريح بالسماع، كما ذكره الحافظ ابن حجر. والله أعلم.

توفي سنة: 204ه وقيل غير ذلك، وروى له مسلم، وأصحاب السنن([3]).

3. سعيد: هو ابن أبي عَرُوْبَة، وهو ثقة، قد اختلط بأخرة، تقدمت ترجمته([4]).

4. قَتَادة: هو ابن دِعَامة، متفق على توثيقه، سبقت ترجمته([5]).

5.الحسن: هو ابن أبي الحسن البصري واسم أبيه يَسَار أبو سعيد الأنصاري مولاهم.

روى عن: سَمُرَة بن جُنْدب، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد اللهy، وغيرهم  وعنه: قتادة بن دِعَامة، وأيوب السَخْتياني، وثور بن زيد المدني، وغيرهم.

الأئمة على توثيقه وإمامته وجلالة قدره، وتكلموا على سماعه من بعض الصحابة y، ويدلس أحياناً، وقد وضعه الحافظ ابن حجر في المرتبة الثانية من مراتب التدليس التي احتمل الأئمة تدليسهم.

قال في "الكاشف": "الإمام... كان كبير الشأن رفيع الذكر رأساً في العلم والعمل"  وقال في "تقريب التهذيب": "ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيراً ويدلس".

 توفي سنة: 110ه، وروى له الجماعة([6]).

الحكم على الحديث:

الحديث بهذا الإسناد صحيح. والله أعلم.

أما سماع الحسن من سمرة  ففيه اختلاف كبير، وحاصله على ثلاثة آراء:

الرأي الأول: لم يسمع الحسن من سمرة t شيئاً، وهو رأي شبعة بن الحجاج  ورواية عن الإمام أحمد.

الرأي الثاني: إثبات السماع مطلقاً، وهو رأي الإمام على بن عبدالله بن المدني  والبخاري، ومسلم، والحاكم.

الرأي الثالث: لم يسمع منه إلا حديثاً، واحداً، والباقي وجادة، وهو رأي الدارقطني  والنسائي

والذي يظهر أن الرأي الثالث هو الصحيح، وعليه فرواية الحسن عن سمرt صحيحة إما سماعاً، أو وجادة([7]).

 

 

 

 

 

المفردات اللغوية:

ظَفَرَة: الجليدة التي تغشي العين،([8]).

الأَكْمَه: هو الأعمى([9]).

الأَبْرَص: البَرَص، هو بياض يظهر على جلد الإنسان([10]).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الدراسة الموضوعية:

هذان الحديثان يدلان على أن عيسى u، ينزل آخر الزمان ويحكم بشريعة محمد r، ولو كان يملك شريعةً جديدةً، ومأموراً بأن يحكم الناس بها، لما خالف أمر الله في ذلك، فكونه لم يفعل يدل على أن هذه الشريعة باقية لا تنسخ، الأمر الذي لا يجعل مجالاً للشك في كونه r آخر الأنبياء، وأن شريعته آخر الشرائع.

قال الحافظ ابن حجر: "والمعنى أنه ينزل حاكماً بهذه الشريعة فإن هذه الشريعة باقية لا تنسخ بل يكون عيسى حاكماً من حُكَّام هذه الأمة"([11])، وقال الإمام القرطبي: "فلا يجوز أن يُتَوَهم أن عيسى ينزل نبياً بشريعة متجددة وغير شريعة محمد نبينا r، بل إذا نزل فإنه يكون يومئذ من أتباع محمد r... فعيسى u إنما ينزل مقرراً لهذه الشريعة ومجدداً لها إذ هي آخر الشرائع، ومحمد r آخر الرسل فينزل حكماً مقسطاً"([12])، وقال القاضي عياض: "لأن عيسى ليس يأتي لأهل الأرض رسولاً ولا نبياً مبعوثاً، ولا بشريعة جديدة؛ لأن محمداً rخاتَم النبيين، وشريعته ناسخةً لجميع الشرائع راسخةً إلى يوم القيامة، وإنما يحكم عيسى بها"([13]).

فوائد من الأحاديث:

1. بيان فضل هذه الأمة؛ لأن الذي يؤم عيسى u عند نزوله، هو رجل من أمة محمدr، وأيضاً مما يدل على شرف هذه الأمة أن النبي r قال: "كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ" على وجه المدح، ومما يدل على هذا صراحتاً رواية مسلم في صحيحه"فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ r، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا  إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ"([14]). والله أعلم.

2. في قوله: "إِذَا نَزَلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ"، مع أنه ينزل في آخر الأمة، دليل على أن الأمة واحدة، وهو إشارة منه r على ضرورة التواد والتراحم بين عموم المسلمين؛ لأن دينهم واحد، ونبيهم واحد، فهم كالجسد الواحد، قال تعالى:﴿QWÜMX… ,-YâY¡HTWå óØRÑSQWÚRK… ^àTTQWÚRK… ^áWŸYš.Wè h†WTßVK…Wè óØS|QSTŠW¤ gûèSŸS‰`Æ@†WTÊ (92)﴾. سورة: الأنبياء، ومعنى الأمة هنا، الدِيْن([15]).

3. وفي الأحاديث دلالة على علامة من علامات النبوة، وهي الإخبار عن الأمور القادمة، فقد ذكر في هذه الأحاديث أموراً سوف تقع، في آخر الزمان، وهي نزول عيسى u، وخروج المسيح الدجال.

4. إثبات نزول عيسىu، آخر الزمان، وهذا ثابت بالتواتر، والإجماع، وممن نقل الإجماع، ابن عطية([16])، والسفاريني([17])، وممن نقل التواتر، ابن جرير الطبري([18])، وابن حجر([19]) وغيرهم.

إشكالان:

v    الإشكال الأول: قد يرد على البعض، كيف يجوز أن يجري الله على يد الكافر بعض الآيات؟!

الجواب: أن هذا على سبيل الفتنة للعباد، وأيضاً أخبرهم مسبقاً بأوصاف تدل على أنه مُبْطِل، دجال، كالأعمر، ومكتوب بين عينيه (ك،ف،ر)([20]).  

v    الإشكال الثاني: قد يظن البعض أن نزول عيسىu، وهو نبي، بعد النبيr  يخالف، أحاديث نفي النبوة بعده.

الجواب على هذا الإشكال: أن عيسى u، نبي متقدم قبل نبوة محمد r، رفعه الله تعالى، ثم ينزل آخر الزمان من علامات الساعة، فيحكم بالشريعة المحمدية، ولا ينسخ شيء منها([21]). والله أعلم.



([1]) بفتح الراء، وسكون الواو. ينظر: "المغني في ضبط أسماء الرجال" ص(113).

([2]) ينظر: صفحة(87).

([3]) ينظر: "الطبقات الكبرى"(7/333)، "التاريخ الكبير"(6/98)، "الضعفاء الصغير" ص(77)، "الضعفاء والمتروكين" ص(68)، "الجرح والتعديل"(6/72)، "الثقات"(7/133)، "الكامل في ضعفاء الرجال" (6/517)، "تهذيب الكمال"(18/509)، "الكاشف"(1/675)، "ميزان الاعتدال"(2/681)، "المغني في الضعفاء"(2/413)، "إكمال تهذيب الكمال"(8/377)، "تهذيب التهذيب"(6/450)، "تقريب التهذيب" ص(368)، "طبقات المدلسين" ص(41).

([4]) ينظر: صفحة(50).

([5]) ينظر: صفحة(51).

([6]) ينظر: "الطبقات الكبرى"(7/156)، "التاريخ الكبير"(2/289)، "الجرح والتعديل(3/40)، "تهذيب الكمال" (6/95)، "الكاشف"(1/322)، "إكمال تهذيب الكمال"(4/78)، "تهذيب التهذيب"(2/263)، "تقريب التهذيب" ص(160)، "طبقات المدلسين" ص(29).

([7]) ينظر: "المرسل الخفي" ص(1175-1305).

([8]) ينظر: "مختار الصحاح" ص(196)، "لسان العرب"(4/519).

([9]) ينظر: "لسان العرب"(13/360)، "تاج العروس" (36/448).

([10]) ينظر: "القاموس المحيط" ص(613).

([11]) ينظر: "فتح الباري"(6/419).

([12]) ينظر: "التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة " ص(1301-1302).

([13]) ينظر: "إكمال الـمُعْلِم بفوائد مسلم "(1/437).

([14]) (1/137/ح156).

([15]) ينظر: "زاد المسير"(3/211).

([16]) ينظر: "المحرر الوجيز"(1/444).

([17]) ينظر: "لوامع الأنوار"(2/94).

([18]) ينظر: "جامع البيان عن تأويل آي القرآن"(6/458).

([19]) ينظر: "فتح الباري"(6/494).

([20]) ينظر: المصدر السابق (13/103). بتصرف.

([21]) ينظر: "تأويل مختلف الحديث" ص(272).

 

 

 

 

 

 

 
  
 
الاسم:  
نص التعليق: 
      
 
 
1019181

الدولة عدد الزوار
33
2
2
1