استناد القاديانية على الاستثناء في ختم النبوة
د. سعد العضيلة
الخميس 10 نوفمبر 2016

الحديث التاسع والخمسون

قال الجوزقاني([1]): أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن البلخي، قدم علينا همذان، حدثني أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن الحسن، في شهور سنة تسع وتسعين وثلاث مائة، قال: حدثنا الشريف أبو محمد الحسن بن محمد بن زيد بن أحمد بن محمد، حدثني أبو عبد الله طاهر بن جعفر البخاري، تلميذ الإمام محمد بن الفضل، قال: حدثنا يونس بن حمويه الشاشي، قال: حدثنا هيثم بن كليب الشاشي، عن أبي العباس بن سريج، عن عبد الله بن معقل، عن أبيه معقل بن زياد، عن محمد بن سعيد المصلوب، عن حميد، عن أنس بن مالك t قال: قال رسول الله r: "أَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ".

تخريج الحديث:

·     الحديث أخرجه الجوزقاني في "الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير"          في الفضائل، باب في فضل النبيr  (1/260/ح116)، وقال بعده: "هذا استثناء موضوع باطل لا أصل له من حديث أنس ولا حميد، وإنما هو من موضوعات محمد بن سعيد الشامي، المصلوب في الزندقة.

دراسة الإسناد:

1. أبو بكر أحمد بن الحسن البَلْخِي([2]).

2. أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن الحسن.

3. الشريف أبو محمد الحسن بن محمد بن زيد بن أحمد بن محمد.

4. أبو عبد الله طاهر بن جعفر البُخَاري.

5. يونس بن حمويه الشاشي .

لم أجد لهؤلاء الخمسة ترجمة فيما وقفت عليه من مصادر.

6. هيثم بن كُلَيْب الشَاشي([3]): هو ابن سُرَيْج بن معقل أبو سعيد الشَاشي صاحب (المسند الكبير).

روى عن: أبي العباس السَرَّاج، وعباس بن محمد الدُوْري، ومحمد بن عيسى الترمذي، وغيرهم، وعنه: يونس بن حمويه الشاشي، وأبو عبد الله بن مندة، وعلي بن أحمد الخزاعي، وغيرهم.

قال الحافظ الذهبي: "الإمام، الحافظ، الثقة"، وقال ابن العماد: "أبو سعيد الشاشي، صاحب المسند ومحدّث ما وراء النهر... وهو ثقة".

فهو ثقة؛ لتوثيق من ذكرت له،  ووصفه الذهبي بالإمام، ولا يوجد من طعن فيه.

توفي سنة: 335ه([4]).

7. أبو العباس ابن سُرَيْج([5]): أحمد بن عمر بن سُرَيْج أبو العباس البغدادي، القاضي كان يلقب بالباز الأشهب.

روى عن: عبد الله بن معقل، وعثمان بن سعيد بن بشار، والحسن بن محمد الزَعْفَراني، وغيرهم، وعنه: هيثم بن كليب الشاشي، وسليمان بن أحمد الطبراني، وأبو أحمد الغِطْرِيْفي([6])، وغيرهم.

قال الحاكم: "إمام فقهاء عصره"، وعده البعض مجدد المئة الثالثة، وذكروا له حوالي الأربع مئة مصنف، وقال الخطيب البغدادي: "إمام أصحاب الشافعي في وقته، شرح المذهب ولخصه وعمل المسائل في الفروع "، وقال الحافظ الذهبي في "تذكرة الحفاظ": "الإمام العلامة...رأيت له فيه تصنيفًا يحتج فيه بالأحاديث ويطرقها عمل من يفهم هذا الشأن"، وقال في "السير": "الإمام، شيخ الإسلام، فقيه العراقيين".

والظاهر في حاله أنه ثقة؛ لأن من كانت أوصافه كما ذكرنا آنفاً لا تنزل درجته عن الثقة، وأيضاً لا يوجد من طعن فيه أو لمزه بشيء. والله أعلم.

توفي سنة: 306ه.

8. عبد الله بن معقل، لم أجد له ترجمة.

9. معقل بن زياد، لم أجد له ترجمة.

10.  محمد بن سعيد المصلوب: هو ابن حسان بن قيس القُرَشي، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو قيس، وقد ذُكِر أن له أكثر من اسم؛ للتمويه([7]).

روى عن: حُمَيد الطَويل، ومحمد بن مسلم بن شِهَاب ، ومَكْحول، وغيرهم.

وعنه: مَعْقِل بن زياد، و سفيان الثوري، وبَكْر بن خُنَيس([8])، وغيرهم.

متفق على تكذيبه، وعُرِف بوضع الحديث، قال البخاري: "ترك حديثه"، وقال النسائي: "الكذابون المعروفون بوضع الحديث أربعة: إبراهيم بن أبي يحيى بالمدينة  والواقدي ببغداد، ومقاتل بن سليمان بخراسان، ومحمد بن سعيد بالشام"، وقال: العقيلي: "وهم يغيرون اسمه إذا حدثوا عنه، مروان الفزاري يقول: محمد بن حسان  ومحمد بن أبي قيس، ومحمد بن أبي زينب، ومحمد بن زكريا، ومحمد بن أبي الحسن"، وقال عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم: سمعت خالد بن يزيد الأزرق يقول: سمعت محمد بن سعيد الأردني يقول: " إذا كان الكلام حسناً لم أبال أن أجعل له إسناداً".

في "تقريب التهذيب": "كَذَّبوه".

قال الإمام أحمد: "قتله أبو جعفر في الزندقة حديثه حديث موضوع"، وروى له الترمذي، وابن ماجه([9]).

11. حُمَيْد([10]) الطَوِيْل([11]): هو ابن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، ويقال: السلمي، واسم أبي حميد: تير، ويقال: تيرويه، والأخير رجحه الإمام يحيى بن معين، وهو خال حماد بن سلمة.

روى عن: أنس بن مالك t، وثابت البناني، والحسن والبصري، وغيرهم.

وعنه: محمد بن سعيد المصلوب، وحماد بن سلمة، وسفيان بن سعيد الثوري  وغيرهم.

متفق على توثيقه، وتكلموا على روايته من أنس بن مالك t، وهو يدلس عنه  وهذا لا يضر؛ لأن الواسطة معلومة، إما الحسن البَصْري، أو ثابت البُنَاني([12])، وقيل قَتَادة وهم ثقات، وقال حماد بن سلمة: "أخذ حميد كتب الحسن فنسخها، ثم ردها عليه". وقد جعله الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب التدليس؛ لأنه مكثر من التدليس، أما روايته عن أنس t، فهي محمولة على السماع لما تقدم، والله أعلم.

ورماه بالاختلاط سفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد، أما رواية سفيان فقد نقلها عن دُرُسْت([13])، وانتقدها الحافظ ابن حجر بقوله: "وحكاية دُرُسْت ليست بشيء؛ فإن دُرُسْت هالك". أما قول يحيى بن سعيد: "كان حميد الطويل، إذا ذهبت تَقِفُه على بعض أحاديث أنس يشك فيه"، فهذا يجليه ماحكاه شعبة عنه، قال حماد بن سلمة:    "جاء شعبة إلى حميد فسأله عن حديث لأنس فحدثه به، فقال له شعبة: سمعته من أنس  قال: فيما أحسب، فقال شعبة بيده هكذا، وأشار بأصابعه: لا أريده، ثم ولى  فلما ذهب قال حميد: "سمعته من أنس كذا وكذا مرة ولكني أحببت أن أفسده عليه"  وفي رواية أخرى، "ولكنه شَدَّد علي فأحببت أن أُشَدِّد عليه"، فهذه الحكاية تدل على أن تشكيك حُمَيد الطَوِيْل متعمد للسبب الذي ذكره، وليس هو حقيقة كما ذكر ذلك يحيى بن سعيد. والله أعلم.

توفي سنة: 142ه، وروى له الجماعة([14]).

الحكم على الحديث:

الحديث بهذا الإسناد، موضوع، وواضعه محمد بن سعيد المصلوب، وعلى فرض أن الذين لم أجد لهم ترجمة، كلهم ثقات، فلا يغني هذا عن كونه موضعاً. والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الدراسة الموضوعية:

استدل القاديانيون بهذا الحديث على إمكانية خروج نبي بعد محمد r.

وجه الدلالة عند القاديانيين: الاستثناء في قوله: "إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ"، وهذه الدلالة صريحة، وواضحة.

الرد عليهم من وجهين (رواية، ودراية)

وجه الرواية: هذا الحديث موضوع، اتُهِم فيه محمد بن سعيد المصلوب، وهو متفق على تكذيبه، والحديث على صراحته لا يصح أن يستدل به على أن النبوة لم تختم؛ لأن الاستثناء فيه موضوع، ومكذوب.

 فانظر إلى اعتمادهم على هذا الحديث، مع أن فيه أحد الرواة المتفق على تكذيبه  ولا يخفى هذا على كل أحد عنده مقدمات في علم الحديث، مما يدل على أمرين:

 الأمر الأول: فقرهم الشديد في معرفة علم الحديث، وهذا ما لمسته من خلال تصفحي لكثير من كتبهم، فلديهم عجز في معرفة رِوَاية الحديث، ودرايته.

الأمر الثاني: افتقارهم إلى الأحاديث الصريحة التي لا تحتاج إلى تأويل، الأمر الذي جعلهم يستدلون بكل ما وقفوا عليه من حديث دون النظر في إسناده، كالغريق الذي يتمسك بالقش.

وجه الدراية:

الأول: أن هذا الاستثناء ينافي ما عليه إجماع الأمة من القول بختم النبوة، وهذا الأمر تكرر التنبيه عليه كثيراً، وأن طريقة أهل البدع أخد المتشابه وترك المحكم، مع أن الله عز وجل أرشد إلى عكس ذلك فقال تعال:﴿†QWÚVK†WTÊ WÝÿY¡PVÖ@… Á `yXäYŠéSTÕSTÎ bçÄ`TÿW¦ WÜéSÅY‰QWW~WTÊ †WÚ WãW‰HTW­WTŽ Sã`ÞYÚ ƒò:†TWçÅY`TŠ@… YàWTÞ`YÉ<Ö@… ƒò:†WçÅY`TŠ@…Wè %-YãYÕÿYè<K†WTŽ †WÚWè SØWTÕ`ÅWTÿ ,ISãWTÕÿYèK<†WTŽ ‚PVMX… %JðS/@… WÜéSYª.QW£Ö@…Wè Á gy<ÕYÅ<Ö@… WÜéRÖéSÍWTÿ †PVÞWڅƒò -YãYŠ QbÔRÒ óÝYQÚ YŸÞYÆ %†WTÞQYTŠW¤ †WÚWè S£PV{PV¡WTÿ :‚PVMX… N…éRÖOèKR… gˆHTW‰<ÖKKV‚ô@… (7)، سورة: آل عمران.

قال أبو جعفر الطبري: "يعني بقوله جل ثناؤه:﴿WÜéSÅY‰QWW~WTÊ †WÚ WãW‰HTW­WTŽ﴾، ما تشابهت ألفاظه وتصرَّفت معانيه بوجوه التأويلات، ليحققوا بادّعائهم الأباطيل من التأويلات في ذلك  ما هم عليه من الضلالة والزّيغ عن محجة الحق، تلبيساً منهم بذلك على من ضَعُفَت معرفته بوجوه تأويل ذلك وتصاريف معانيه"([15]).

فهذه طريقتهم، ولو عندهم من العلم اليقيني ما يغنيهم، لما احتاجوا إلى هذا المسلك، وهذا الزيغ، والانحراف.

ثانياً: أن الاستثناء "إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ"، لا يدل على الوقوع حقيقة، وغايته أنه تحت المشيئة، فقد يشاء الله وقوعه، وقد يشاء أن لا يقع.

ثالثاً: أن الاستثناء متعلق بختم النبوة، أي: أنه r خاتم النبيين، إلا أن يشاء الله غير ذلك، فلو تحقق الاستثناء المزعوم، لكان المعنى أنه r ليس خاتم النبيين، وهذا كما مر معنا يخالف ما عليه الإجماع من تواتر الأدلة على أنه خاتم النبيين، ومما يدل على نكارة المتن أيضاً، فبأي الأدلة نأخذ بهذا الحديث الموضوع، والمكذوب، أم بأحاديث متواترة  تخالفه.

رابعاً: أن هذا الحديث المتشابه، قد نحمله على الأحاديث المحكمة في كونه خاتم النبيين، ووجه الجمع أن يقال: أن هذا الاستثناء لم يقع بموجب الأدلة الصريحة على أنه خاتم النبيين على وجه الحقيقة لا التعليق بالمشيئة. والله أعلم.

 



([1]) الجُوزقاني: بضم الجيم، وسكون الواو، هذه النسبة إلى بلدة جُوزَقَان، في نواحي همَذَان. ينظر: "لب اللباب في تحرير الأنساب" ص(103).

([2]) البَلخِي: هذه النسبة إلى بلدة بلخ. ينظر: "الأنساب المتفقة" ص(19).

([3]) الشَّاشي: هذه النسبة إلى مدينة وراء نهر سيحون يقال لها الشاش، وهي من ثغور الترك. ينظر:              "الأنساب" (8/13).

([4]) ينظر: "العبر في خبر من غبر" (2/51)، "التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد " ص(479)، "تاريخ إربل" (2/25)، "تاريخ الإسلام" (7/967)، "تذكرة الحفاظ" (3/46)، "سير أعلام النبلاء" (15/359)         "شذرات الذهب" (4/196)، "الوافي بالوفيات" (27/239)، "الأعلام" (8/105)، "معجم المؤلفين" (13/156).

([5]) بضم أوله، وفتح ثانيه. ينظر: "المغني في ضبط إسماء الرجال" ص(127).

([6]) الغِطْرِيْفي: بكسر الغين المعجمة وسكون الطاء المهملة وكسر الراء وسكون الياء، هذه النسبة إلى جد اسمه الغطريف. ينظر: "الأنساب" (10/55).

([7]) ينظر: "الموضوعات" (3/65).

([8]) بضم أوله، وفتح ثانيه. ينظر: "المغني في ضبط أسماء الرجال" ص(95).

([9]) ينظر: "الجرح والتعديل" (7/262)، "تاريخ دمشق" (53/71)، "الضعفاء والمتروكون" (3/65)، "تهذيب الكمال" (25/264)، "الكاشف" (2/174)، "المغني في الضعفاء" (2/646)، "ميزان الاعتدال" (3/561)، "تهذيب التهذيب" (9/184)، "تقريب التهذيب" ص(480).

([10]) بالتصغير. ينظر: "المغني في ضبط أسماء الرجال" ص(81).

([11]) الطَوِيْل: بفتح الطاء المهملة وكسر الواو وسكون الياء، هذه النسبة إلى صفة. ينظر: "الأنساب" (9/101).

([12]) البُنَاني: بضم الباء، وفتح النون، هذه النسبة إلى شيئين: الأول: بنانة وهو بنانة بن سعد بن لؤيّ بن غالب  والثاني: بنان قرية بمرو الشاهجان، وثابت من النسبة الأولى. ينظر: "الأنساب" (2/330)، "لب اللباب في تحرير الأنساب" ص(44).

([13]) بضم الأول، والثاني، وسكون الثالث. ينظر: "المغني في ضبط أسماء الرجال" ص(101).

([14]) ينظر: "الطبقات الكبرى" (7/252)، "التاريخ الكبير" (2/348)، "الجرح والتعديل" (3/219)، "الكامل في ضعفاء الرجال" (3/65)، "تهذيب الكمال" (7/355)، "الكاشف" (1/656)، "ميزان الاعتدال" (1/610)، "جامع التحصيل" (168)، "تهذيب التهذيب" (3/38)، "تقريب التهذيب" ص(181)       "طبقات المدلسين" ص(38).

([15]) ينظر: "جامع البيان" (6/185).

 

 

 

 

 

 

 
  
 
الاسم:  
نص التعليق: 
      
 
 
1112105

الدولة عدد الزوار
1
101
2
1