الوحـــــي وقيمـــتــــه فـي الإســــلام
د. محمد إسماعيل الندوي
الأربعاء 14 يونيو 2017
  لقد أنزل الله الوحي على رسله وأنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم . وأن القرآن كله وحي وكذلك شطر كبير من سنة الرسول وحي كما أوردنا هذه التفاصيل في كتابنا عن ( شبهات حول السنة ) . وهذا الوحي هو الذي ينقسم إلى قسمين : الأول كتاب الله والثاني سنة رسول الله . وهما اللذان يعتبران مصدريان أساسيان للتشريع الإسلامي في اتفاق جميع المسلمين على اختلاف مللهم ونحلهم كما وافق على ذلك القادياني أيضا ً كما ذكرنا . ثم أضيف مصدر آخر بعد وفاة الرسول عليه السلام وهو اجماع الأمة .   
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفصل في الملل والنحل 5/55 .
ثم يفتح المجال للاجتهاد على مصراعيه أمام العلماء المسلمين ليستنبطوا المسائل على ضوء هذه المصادر الثلاثة . وليس بعد ذلك شئ يفرض حجة على المسلمين في أمور دينهم . لا الهام ولا كشف ولا كرامات ولا شئ من هذا القبيل ، يقول بن حزم في هذا الصدد : 
 
  " كل قول في الدين عرى عن ذلك من القرآن أو من سنة رسول الله أو من اجماع الأمة المتيقن فهو باطل بيقين " . قال الله تعالى " قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين " . فصح أن من لا برهان له على صحة قوله فليس صادقا ً فيه فسقط هذا القول " (1) .
 
  ومن هنا لا يتمتع القادياني والهاماته وكشفه وكراماته بأي سند أو حجة لا لنفسه ولا لأتباعه ، بل هو وأتباعه مرغمون على الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله في أمور دينهم كلها . وذلك لأن الوحي إلى الرسول عليه السلام كان حقا ً ، كما ينطق بذلك وحتى الآن ما بين دفتي المصحف الكريم . وأما الوحي والإلهام بالنسبة للآخرين ، فيغلب عليه الصبغة الشيطانية . لأن القرآن يؤكد بأن الشياطين يوحون إلى أتباعهم بل حاولوا في بعض الأحيان مزج وحيهم إلى أقوال الأنبياء وإيجاد التحريف فيها . ولكن الله نبه الرسل إلى كيد الشياطين ورده إلى نحورهم وذلك بنسخ وحيهم وإضافاتهم . وهذا يدل على أن مثل هذه العصمة لم يتمتع بها أحد غير الأنبياء . ولذلك يغلب علينا الظن بأن الشياطين تمكنوا من السيطرة على أمثال القادياني من الصوفية المخرفين وأوحوا إليهم بما يريدون وأملوا عليهم جميع رغباتهم . وإليكم آيات الله البينات في هذا الصدد : 
 
  1- " ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ً " (2)
 
  2- " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا ألقى الشيطان في أمنيته . فينسخ الله ما يلقي الشياطين ، ثم يحكم الله آياته ، والله عليم حكيم . ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم . وإن الظالمين لفي شقاق بعيد " (3)  
 
  3- " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ً . ولو شاء ربك ما فعلوه وذرهم وما يفترون " (4) 
 
  4- " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون " (5)  
 
  وعلى ضوء هذه الآيات البينات ، ونظرا ً إلى التناقضات والهفوات والهذيان الذي تمتلئ به كتب القادياني ، لا يستعبد عندنا أن الشياطين هم أوحوا إليه بكل مزاعمه . 
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفصل في الملل والنحل 5/8 .
(2) مريم 19/83 .
(3) الحج 22/53 .
(4) الأنعام 6/113 .
(5) الأنعام 6/122 .
  وأما كراماته وخوارق العادة لأجله فليس لها أية قيمة بالنسبة إلى الهند الكبرى التي يرى سكانها كل يوم عشرات من أصحاب السحر والشعبذة واليوجين والدراويش الذين يأتون بعجائب لا تكاد تصدقها العقول البشرية .
 
  وأما الطائفة الأخرى من القاديانية وهي ( اللاهورية ) تلك التي تؤمن بأن القادياني كان مجددا ً في عصره ولم يكن المسيح الموعود فهذا الكلام هو الآخر مبني على الأوهام . 
 
التجـــديــــــد والمجــــددون
  تقول الجماعة اللاهورية : أن القادياني كان مجدد في الإسلام في عصره . ولذلك ينبغي لنا ان نبحث أولا ً في موضوع التجديد والمجددين في الإسلام . إن التجديد والمجددين قد نالا مهمة كبرى في تاريخ المسلمين . ويرجع سببه إلى حديث يروى عن الرسول عليه السلام : " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائ سنة من يجدد لها دينها " (1) 
 
  قال عبد الرحمن بن شرف الحق بن محمد أشرف في شرح هذا الحديث : " إن شرط المجدد أن يبين السنة من البدعة ويكثر العلم ويعز أهله ويقمع البدعة ويكسر أهلها ، ومن لا يكون مجددا ً وإن كان عالما ً بالعلوم مشهورا ً بين الناس مرجعا ً لهم ". (2) 
 
  وقال الشيخ السيد رشيد رضا في شرح هذا الحديث : " إنما كان المجددون يبعثون بحسب الحاجة إلى التجديد لما أبلى الناس من لباس الدين وهدموا من بنيان العدل بين الناس ، فكان عمر ابن عبد العزيز مجددا ً في القرن الثاني ، لما أبلى قومه بنو أمية واخلقوا ، ولما مزقوا بالشقاق وفرقوا . وكان الإمام أحمد بن حنبل مجددا ً في القرن الثالث لما اخلق بني عباس في لباس السنة وإرشاد السلف الامة بأتباع ما تشابه من الكتاب ، ابتغاء الحكمة وابتغاء تأويله ، وتحكم الآراء النظرية في صفات الله وما ورد في عالم الغيب بالقياس على يتعارض في عالم الشهادة . وكان الشيخ أبو الحسن الأشعري مجددا ً في القرن الرابع بهذا المعنى . وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي مجددا ً في القرن الخامس وأول السادس لما أشرقت زندقة الباطنية . والإمام أبو محمد على بن حزم الظاهري في القرن السادس (3) لا سحقت الآراء من فقه النصوص الشرعية ، وشيخ الإسلام بن تيمية وتلميذه ابن قيم مجددين في القرن السابع وأول الثامن لجميع ما مزقت البدع الفلسفية والكلامية والتصوفية والإلحادية من حلل الكتاب والسنة السنية في جميع العلوم الدينية وحسبنا هؤلاء في التجديد الديني العام . (4) 
 
 
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سني أبو داود كتاب الملاحم ، باب ما يذكر في قرن المائة .
(2) عون المعبود شرح سنن أبي داود ( انظر باب ما يذكر في قرن المائة في كتاب الملاحم ) .
(3) وهذا الترتيب غير صحيح لأن ابن حزم عاش في القرن الخامس الهجري أي قبل الغزالي .
(4) تاريخ لإمام الشيخ محمد عبده ـــ المقدمة . 
  يتبين لنا من كلام الشيخ رشيد رضا هذا وغيره من المفكرين المسلمين أن المجدد هو من يقوم بمهمة التجديد إذا أصاب المسلمين الوهن والضعف في عقائدهم وأفكارهم وأعمالهم وسلوكهم فيصقلها كلها وينقيها ويطهرها ويزيل كل الشبهات حول الإسلام ، ويعرضه صافيا ً ناقيا ً وبصورة متقدمة تقبلها عقول عصره وتتضمن جميع مطالب العصر وحلول جميع مشاكله .
 
  ولكن مسلمي الهند منذ الإحتلال الإنجليزي قد اساءوا فهم كلمة التجديد والحديث الوارد في هذا الصدد ولقبوا بالمجدد كل شيخ كبير لدى كل طائفة منهم أو كل متصوف كبير عندهم . وبهذا كثر عدد المجددين وزاد النزاع في هذا الموضوع عندهم . أن جماعة علماء ديوبند تعتبر كل المشائخ الكبار عندهم مجددين أمثال : الشيخ محمد قاسم النانتوي ، والشيخ رشيد أحمد الكنكوهي ، والشيخ محمود الحسن ، والشيخ أشرف علي التهانوي ، والشيخ حسين أحمد المدني . وجماعة أهل الحديث أو الوهابيون يعتبر الشيخ ثناء الله الأمر تسري مجددا ً بالنسبةل هم ، وجماعة بريلوي المبتدعة تعتبر إمامها الشيخ أحمد رضا خان مجددا ً وحيدا ً فريدا ً ، وتعتقد الجماعة التبليغية ان مؤسس هذه الجماعة وهو الشيخ محمد إلياس هو المجدد ، وإلى هؤلاء ينتمي الشيخ أبو الحسن علي الندوي ، وترى الجماعة الإسلامية أن بانيها الشيخ أبا الأعلى المودودي هو مجدد هذا العصر بالمعنى الحقيقي ، وبهذا نجد كل حزب بما لديهم فرحون . وليس بدعا ً في مثل هذا الجو أن تعتقد الجماعة اللاهورية أن القادياني هو المجدد الوحيد .
 
  ولكن يتسائل المء : أي تجديد قام به القادياني في عصره ، ما هي البدع التي قمع فتنتها ، وما هي الفتن التي أخمد نيرانها ، وما هي الآراء البناءة والنظريات العظيمة التي قدمها للإسلام ؟ الحقيقة أنه كان متصوف مختل العقل وفاتر الفكر ، ردد كل ما ردده كثير من المتصوفين المخرفين من قبل ولم يأت بشئ جديد بناء مطلقا ً . لأن دعوى المهدية وعقيدة التجسد أو النبوة الكاذبة كلها قد تردد صداها في آفاق العالم الإسلامي مرات عديدة كما ذكرنا ، وكانت الشيعة بطلة هذه النعرات بأكملها . فأي جديد ينسب إلى القادياني بعدئذ ؟ 
 
  ومن ناحية أخرى أن القادياني لم يكن وحيدا ً في دعواه ومزاعمه في عصره . بل ظهر مهديان آخران في نفس الوقت وهما : مرزا على محمد باني الفرقة البابية ، وحسين بن مرزا عباس مؤسس الفرقة البهائية .
 
  قد ولد الأول ـــ وهو مرزا علي أحمد ـــ في شيراز سنة 1235هــ / 1809م ودرس في مدرسة ( قهوة الأنبياء والأولياء ) ثم انضم إلى صفوف المتصوفين ولازم الشيخ الرشتي حتي عب فيضا ً زاخرا ً من صوفيته ثم آوى إلى المسجد واعتكف فيه . ولما انتهت به خلوته أدى به الباب الموصول إلى صاحب الزمان أو القائم أو الإمام المنتظر . فالتف حوله الناس .
 
 
 
  يعتقد فيه أنصاره أنه أتم وأكمل هيكل بشري ظهرت في الحقيقة الإهية وأنه هو الذي خلق كل شئ بكلمته ، والمبدأ الذي ظهرت عنه جميع الأشياء . وهو القائل بنفسه : " كنت في يوم نوح نوحا ً ، وفي يوم ابراهيم ابراهيم ، وفي يوم موسى موسى ، وفي يوم عيسى عيسى ، وفي يوم محمد محمدا ً أو في يوم علي عليا ً " (1)      
 
  ومن المعروف انه أورد هذا الكلام وفق تظرية الأوتار أو التجسد الهندوكي ، لأنه كان شيعيا ً ، والشيعة هي التي تلقت هذه النظرية بقبول حسن منذ البداية كما قلنا . وإذا كان الباب قد ولد ونشر دعوته قبل القادياني بزمن يسير ببلاد مجاورة للهند وهي إيران ، ولغته الفارسية كانت اللغة المنتشرة في الهند آنذاك ، فمن المحتمل جدا ً أن صداه قد تردد في آذان القادياني ، ومهد لتلبية دعوته ، فصاغه القادياني في دوره صياغة جديدة تلائم ذوقه وطبيعته وبيئته وعقلية أهل ولايته . لأنه هو الآخر زعم كما قلنا أن ابراهيم عليه السلام قد اتخذ مظهر الرسول محمد ، وان محمدا ً قد تجلى فيه كما تجلى بذلك المسيح .
 
  وأما الثاني ـــ وهو حسين بن مرزا عباس الملقب بالبهاء ـــ فقد ولد بطهران عاصمة إيران في سنة 1817م . لقد آمن البهاء بالبابية على أحد البابيين ، ولكن نفسه لم تطمئن بمجاراة أحد وأتباعه والخضوع له ، بل تاقت إلى إنشاء نظرية جديدة ليلتف حوله الناس ، فتحقق له ما تمنى .
 
  فقد مارس هذا الرجل أيضا ً التجارب الصوفية ورياضاتها الشاقة وبلغ في هذا المجال مبلغا ً كبيرا ً حتى زعم أخيرا ً ان وحيا ً إلهيا ً تفجر في نفسه ـــ وهو في خلوته ـــ وأمره بنسخ بعض احكام البابية .
 
  يقول فيه المستشرق جولد تسيهر : " أن بهاء الله بالنسبة للباب كيوحنا المعمدان بالنسبة إلى عيسى . وفي شخص بهاء الله عادت الروح الإلهية للطهور لكي تنجز على الوجه الاكمل العمل الذي مهد له هذه الداعية الذي بعث قبله . فبهاء الله أعظم من الباب . لأن الباب هو القائم والبهاء هو القيم ( أي الذي يبقى ويخلد ) . ولا عجب فقد وصف الباب خليفته في المستقبل قائلا ً : " أن الذي يجب ان يظهر في يوم من الأيام لهو أعظم من ذلك الذي سبق ظهوره " .
 
  وقد فضل بهاء الله أن يتسمى باسم ( مظهر ) ( وهو يوازي الأوتار أو التجسد كما قلنا ) . ويقصد بذلك أن منظر الله الذي يجتلي في طلعته جمال الذات الإلهية ، والذي يعكس محاسنها كصفحة المرآة ، وهو نفسه جمال الله الذي يشرق وجهه ويتألق بين السماوات والأرض ، كما يتألق الحجر الكريم المصقول . وبهاء الله هو الصور المنبعثة الصادرة عن الجوهر الإلهي ، ومعرفة هذا الجوهر لا تأتي إلا عن طريقه .
 
  وقد رأى فيه أتباعه أنه كائن فوق البشر وأضفوا عليه كثيرا ً من الصفات الإلهية .
 
 
  ألف هذا الرجل كتبا ُ كثيرة في كل من اللغة العربية والفارسي . وقال في كتابه الشهير ( الكتاب الأقدس ) : أن لموحياته المدونة أصلا ً إلهيا ً . وقال إن هذا اللوح هو كتابة خفية محفوظة منذ الأزل بين الكنوز الإليهة المكنونة التي رقمتها أنامل القدرة الإلهية " . (1)     
 
  وبهذا يكون بهاء الله هو الآخر قد طبق نظرية الأوتار على نفسه كما صنع سلفه وكثير من الشيعة من قبل . ومن المعروف أن هذه الدعوة التي ظهرت في عاصمة إيران قبيل القادياني بسنين قليلة جدا ً لا يمكن إلا أن يخرق دويها آذان القادياني . ولكن القادياني لم يتلق مبادئ هذه الدعوات بحذافيرها لتطبيقها على نفسه بل أجرى فيها تعديلات يسيرة وفق ظروفه . وهو أنه أخذ منها عقيدة الأوتار وزعم ان عيسى قد تجلى فيه بصفاته ومهامه الملقاة على عاتقة ، أو انعكست عليه تجليات الرسول محمد كما قلنا . وذلك لأن دعوى الألوهية الحقيقية كالبابية والبهائية كان فشلها محتوما ً في مجتمع أهل السنة الذي ولد القادياني ونشر فيه دعوته . وهذا هو الخط الفاصل بينه وبين النعرات المعاصرة والشبيهة له في إيران .
 
   
 
 

 

 

 

 

 
  
 
الاسم:  
نص التعليق: 
      
 
 
1128975

الدولة عدد الزوار
1
1
12
1