ما حقيقة البعث بعد الموت ؟؟
أ. فؤاد العطار
السبت 14 يونيو 2014

ما حقيقة البعث بعد الموت ؟؟

 

ما أجمل هذه الأرض , فيها الشجر والحجر , فيها الحيوان والإنسان , نجد في كل شيء دلالة على علم وحكمة صانعه عز وجل , مضت قرون وتمضي أخرى , هكذا هي لا تدوم لأحد , فالموت يفني كل حي على الأرض ,فيرث الميت الحي , ولو دامت للميت لما ورثها الحي , قال سابق البربري:

إذا قضت زمر آجالها نزلت **على منازلهم من بعدها زمر

ننظر فيمن مضى ونقول كما قال ابن الوردي في لاميته :
كُتب الموت على الخلق فكم *** فلّ من جيش وأفنى من دول
أين نمرود وكنعان ومن *** ملك الأرض وولّى وعزل
أين من سادوا وشادوا وبنوا***هلك الكل ولم تغنِ القُلل
أين أرباب الحجى أهل النهى***أين أهل العلم والقوم الأُوَل
سيعيد الله كلاً منهم *** وسيجزي فاعلا ما قد فعل

فإن كان إبن الوردي أيقن بالبعث بعد الموت , فإن من الناس من ينكر ذلك , فيقول كيف يعيدها الله بعد أن تحللت تلك الأجسام , فبعضها في البر وبعضها في البحر وكم أحرق منها , ومرد الشبهة إلى القدرة على إعادة ما كان إلى ما هو عليه , فكان إنكار أهل الكفر والإلحاد قديما وحديثا على البعث أنهم تبلى وتتشتت أعضاؤهم وتتحلل فتصبح مادة أخرى فكيف يعود ذلك إلى جسده بعد تحلله وكيف يعود؟ وأنه يشاهد أحدا عاد بعد موته مع أن الأنبياء أخبروهم بالبعث ؟ وأخبرنا الله عن هؤلاء بقوله جل وعلا{بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } [المؤمنون/81-83]
وبمثل ذلك شبهة من أنكر البعث بالجسد فزعم إنها للروح دون الجسد , كالفلاسفة وبعض أهل البدع .
قال القحطاني في نونيته :
علم الفلاسفة الغواة طبيعة ////ومعاد أرواح بلا أبدان
لولا الطبيعة عندهم وفعالها ////لم يمش فوق الأرض من حيوان


ولم يكذب هؤلاء البعث إلا بعد عجز عقولهم عن إدراك ذلك بالمحسوس بزعمهم , فكيف يمكن لهذه الأجساد أن تعود ؟ . ولم يكن الأمر كما يظن هؤلاء , بل هو يدرك بالعقل , بنفس الطريقة التي حاولوا أن يستخدموها لنفي البعث , وبنفس أدواتهم الذين زعموها تنفي البعث, والقرآن الكريم , فيه آيات بينات واضحة تزيل إستشكلات هؤلاء وشبههم .

فإن إستشكالهم محصور في أمرين :
- إمكان أن يعاد الجسد كما كان .
- بعد اثبات الإساتطاعة تحديد من يستطيع .
عالج القران هذا الأمر في نفس الآيات , وكان الرد عليهم بما يشفي القلوب ويقنع العقول . فالوجود هو دليل الإمكان , ويقصد بذلك أن وجود أي شيء مشاهد . هو دليل أنه غير مستحيل , لأنه موجود ومشاهد . فدليل أمكان عودة الأجسام هو وجودها يوما على هذه الأرض , لذلك نجد أن الآيات تشير الى ذلك , وتذكر الناس به :
{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ }[يس/78] . فهذا أستشكل عودة الرميم ليكون جسدا , ونسي أنه خلق من قبل ولم يكن شيئا مذكورا , فكيف يستشكل إمكان عودة الجسم الى حاله وهو أصلا كان على حالته الأولى مثل ما هو عليه بعد أن بلي الجسد !!! إذا فخالقه أول مرة لا شك أنه قادر أن يعيده كما كان , وما يرونه من نشأة الجسد ونموه ثم موته وتحلله إلا أن يعرفوا بقدرة وحكمة من خلقه , فهو القادر على ذلك .

فخالق الشيء قادر على إعادة خلقه دون عجز سواء تحلل الجسد أم بقي على حاله , أو حتى لو أصبح شيئا آخر :
وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا *
قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ [الإسراء/49، 51] فلو كنتم ترابا أو صرتم حجارة أو أصبحتم حديدا , فهذا وإن كان بعضه أصعب من بعض من قياس الناس إلا أن ذلك للله عز وجل سواء , فلا يعجزه صعب بني آدم ولا غيره .

فإن العظام تبلى ولكن العظام لم تكن يوما وخلقها ربها وكساها لحما وهذا اللحم والعظم إنما خلقه الله من هذه الأرض فهل يعجز من خلقهم أول مرة بإعادتهم كما كانوا ؟.بل هذا الأمر أذل من أن يعجز الخالق عز وجل ,فبين لهم أن القدرة موجودة لمن خلقهم أول مرة.
ثم بين الله لهم أمرا يخصهم ويفحم عقولهم , وهو أن من خلق الأعظم لا يعجز عن الأقل فيذكرهم بكبير القدر :{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا } [الإسراء/99] فبين لهم ما في الآية الأولى أن خالق الشيء لا يعجز أن يعيده وكذلك قرنها لهم بالسموات والأرض التي هي أعظم من خلق الناس { لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [غافر/57]

فأيها الإنسان مهما نظرت إلى نفسك فلست إلا شيء قليل فانت اصغر من بعض المخلوقات وأقل قدرا كالسموات و الأرض فإن الله فالله عز وجل خلقكم من بعض ذلك الخلق وهي تربة الأرض ومائها .فتذكروا أول خلق أنه حدث والذي خلق الخلق يعيد الخلق تارة أخرى :{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء/104]
وتشابه قلوب أهل الإلحاد أولهم وآخرهم , فجعلوا إستمرار الحياة دليل على عدم البعث لأنه لم يعد أحد ممن مات :{ وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ }[هود/7]
{ بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } [المؤمنون/81-83]
فبين الله لهم ذلك أنه ليس من ضروب السحر ولا من أساطير الأولين بل هو الحق المبين الذي تعرفه عقولهم وتطمئن له قلوبهم فبين عز وجل {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80)}فالخلق دليل على البعث لأن الخلق يحدث دائما وقولهم إنها أساطير الأولين هو بعد عن الحق إذ أن الخلق كله موجود والخلق كله بتصرف الخالق يجري فليس يخرج من سلطانه شيء فكيف يستبعد إعادة الإنسان بعد موته:
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) [المؤمنون/84-89]وعدم عودة الموتى إلى الحياة مرة أخرى في هذه الدنيا لهو دليل على أن من مات لا يعود إليها. فهو دليل أن الحياة والموت بيده عز وجل , إذ لوعاد دون إذن الله لكان دليلا على العشوائية , وعدم عودتهم إلى الدنيا دليل على أن الذي خلقهم لم يعيدهم ,وأن الأمر لم يحدث بدون خالق مدبر عليم مسيطر على ما خلق , لان وجود الشيء هو دليل على أنه من الموجودات, والمخلوقات الموجودة لو لم كان وجودها بسبب , فإن عودتها ممكن بنفس السبب , واناس كلهم يفهموا ذلك فهم يسلموا أن الوجود دليل الإمكان , فلو تحقق شرط الخلق لعاد الشيء كما كان . فعدم عودة الموتى دليل على أن الذي خلقهم لم يعيدهم ,لأنه مالك لسبب وجودهم وهو من أوجدهم عز وجل. بل هو دليل أن كل شيء مقدر بطريقة حكيمة : . فقد بين عز وجل ان من يموت لا يرجع الى هذه الدنيا الا باذنه فقال عز وجل :"أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ" فبين الله عز وجل أن الحقيقة أن من يموت لا يرجع إلى الدنيا كما هو ممكن عند الدهرية الملاحدة فالحال دليل على أن الموت والحياة بيد الخالق عز وجل لا بيد الناس ولا مما تملكه الطبيعة , ولا يحق لهم الاعتراض على بعث الموت بحال الميت بعد موته وتحلل جسده بل خلقه ووجوده دليل على قدرة الخالق بإعادة الخلق مرة أخرى . وقد كان أهل الكفر والالحاد يسخرون من البعث ويرونه منافيا للعقول :" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9)"
فبين الله لهم ضعف عقولهم وعدم تدبرهم بما حولهم ونسيانهم واقع حالهم " بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ " فاي ضلال اشد من عدم إدراك الإنسان لأصله ولحاله وإلى منزلته بالنسبة للخلق " أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ "
وقد بين الله عز وجل ان أصل الانسان انه كان من شيء ميت تم خلقه خلقا بعد خلق حتى أصبح انسان سوي وهذا الخلق دليل على البعث والنشور :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)
فسبحان الله كيف تطيش عقولهم وتعمى ! فخلق الإنسان في بطن أمه أطوارا وخلقا بعد خلق لا يشبه بعضه بعض دليل على ذلك . فكل طور لا يشبه ما قبله , فان كان الانسان وجد الميت يصبح ترابا ,فإنه يرى التراب يصبح حيا, فإذا عاد الانسان ترابا فما المانع أن يرجع مرة أخرى كما خلق أول مرة وجاء الى هذه الدنيا !!!

ولعل أروع ما يدخل القلوب ويقنع أهل الإلحاد بالبعث ومقدرة الله عليه مثال يشاهدونه في كل عام ويشاهدونه بأشكال مختلفة :
"وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) فالإنسان يشاهد الزرع كيف يكون وكيف يصير وكيف يحي الله الأرض بعد موتها وهي صورة جميلة يراها الانسان دائما , فلفت إنتباهه لها وجعل قلبه مع الصورة الجمالية التي يرسمها القران في القلوب لتلك الأرض وكأنك ترى ذلك بأم عينك , ثم بعد ذلك يخبرك أن هذه الصورة التي ابهجت قلبك وسلمت لها هي نفس الصورة التي أنكرتها بالنسبة للبعث فهو أسلوب للقران صورة مختصرة يسمعها الإنسان فيفهما ويعتبر يرى أن المشهود دليل على الموعود . "وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) "كذلك يخرج الله الموتى وهو قياس تقبله العقول ومشاهدة الأرض تحيا بعد الموت.حتى أن العقول أصبحت لا تستنكرها من كثرة تكرارها في الحياة , قال تعالى:" اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) "
فالرياح تثير السحاب والأمطار تنزل على الأرض الميتة فينبت الزرع , صورة جميلة ترسم في القلوب وتدركها كل العقول . وهذه الصورة ليست للتذكير فقط بل هي للتذكير بالبعث :فأنظر أيها الإنسان كيف يحي الله الأرض بعد موتها ,إن الله الذي أحيا الأرض هو نفسه الذي سيحيي الموتى وهو قادر أصلا على كل شيء . فاذا نظرنا الى الرياح كيف تثير السحاب وكيف يسوقه الله إلى أرض بعيدة قاحلة وكيف ينزل عليها المطر فتنبت الأرض وتهيج . لا ننكرها بل نقبلها وهذه الصورة تحدث في أشهر حتى تكتمل فألإيجاز دليل على وضوح الصورة عند الناس والعبرة بسيطة سهلة يعتبر بها كل ذي لب :" إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى " وهذه الصورة هي صورة مقابلة لما يحدث للناس فالانسان يكون ميتا ثم يحيه الله ويميته ثم يحي آخرين , وكذا الزرع يكون بذرة فيسقى الماء فينبت , ثم يصفر ويصبح هشيما تذروه الرياح , ثم يعود كم بدأ ثم يعاود ذلك , فهذه صورة تمر على كل إنسان في حياته يراها ولا ينكرها فلو سألناه بعد أيام لا يكون نبات هنا؟ هل يمكن ان تنبت هذه الأرض ؟ فإنه لن يتردد بالإجابة بنعم , لا لشيء وإنما لأنه شاهدها . كيف لا يكون ذلك في الانسان أيضا وهو يرى الموت والحياة كل يوم .
فأي عاقل ينكر البعث بعد هذه الادلة عليه ؟
ومن اسلوب القران في اثبات البعث , أن يرد عليهم شبهتهم بعدة طرق منها ما سبق ومنها ما يكون تذكيرا لهم بما حولهم وبطرق عدة بحيث أن الأنسان لا يجد أمامه إلا التسليم لأن الجواب تقبله العقول وتدركه حواسهم .مثال ذلك قوله تعالى :

قال العزيز الحكيم " أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) "
وعند ضرب الكفار مثلا عن هذه العظام البالية وإستشهادهم بتحلل الجسم إذ لم تستطيع عقولهم تخيل كيف ستعود الحياة فيها مرة أخرى بين الله لهم ذلك من وجوه :
--الأول أن أصل الإنسان نطفة فلو تذكر أصله وعلم حاله لما أنكر بعث الميت من بعد تحلله . وأعظم ما يلفت الإنتباه إليه أنه كان نطفة لا قيمة لها ولم يكن شيئا مذكورا حتى إذا خلقه الله في بطن أمه خلقا بعد خلق نرل طفلا وتعلم وكبر حتى أصبح يخاصم في كل شيء ناسيا أصله ومآله" أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ "
--الثاني انه عند سؤاله نسي أنه مخلوق بعد أن لم يكن أي أن وجوده دليل على إمكان إعادته وسبقت الإشارة لذلك سابقا, وهو كقوله تعالى :"هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)" " قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) " فاذا نظر الانسان لخلقه وأنه أصبح موجودا ولم يكن قبل ذلك شيئا مذكورا علم أن بعثه بعد موته أمر يشهد عليه وجوده وأن الأصل هو أن الخالق عنده القدرة على ذلك ودليلها وجود الإنسان نفسه ."وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ "
--الثالث : أن أصل الأمر ومرده إلى قدرة الله لأنه نفسه الذي سيحيها وهو الذي سيبعثها .وهو عليم بخلقها قادر عليها ."قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ "والخالق عز وجل أخبر بأنه سيفعل . وعلمه بذلك وقدرته عليه تكفي للأجابة عند العقلاء.

--الرابع: لفت نظر الانسان الى قدرة الله عز وجل وكيف أنه يخرج الحي من الميت والميت من الحي وكيف يجعل الشجر الأخضر الرطب الذي يستظل بظله نارا تبعث الدفئ بالنفوس ويطهى عليها أنواع الطعام . فهي من ما يستظل بظلها من ما يتقى حره" الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ", وخلاصتها أن الله عز وجل خلق من الشيء ضده فلا يعجزه أن يفعل ذلك متى شاء عز وجل .
--الخامس: أن الذي خلق السموات والأرض لا يعجز عن إعادة خلقها فكيف بهذا الإنسان الذي لا يقارن بخلق السماء ولا الأرض:" لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ " فأي مقارنة لبعث الإنسان مع هذا الخلق" أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ "
--السادس : إن الله عز وجل لا يعجزه شيء ولكن تشبيه الناس لربهم بأشخاص عجز مثلهم هو ما يوهمهم ذلك "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ "فهم شبهوا الخالق بما يشركوا وبضعفهم تعالى الله عما يشركون وتعالى عما يصفون علوا كبيرا فالله عز وجل إنما يأمر الشيء فينقاد الشيء لخالقه كيفما أراد فلا يعجزه شيء عز وجل ويستوي عنده خلق نفس أو خلق أنفس كما قال الله عز وجل :"مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28)" " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"
السابع : إن إنقياد الشيء لخالقه أمر لا محالة له إذ بيده عز وجل ملكوت كل شيء لا بعضه وإنما أخر الناس لأجل معلوم عنده عز وجل" فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

إذا أنكار البعث حقيقة لا يكون بسبب العجز لأن الذي فعل شيء لا يعجز على إعادته كما كان. والخالق الذي خلق الشيء العظيم كالسموات والأرض لا يعجز عن خلق شيء منهما ولا أقل منهما , وقد بين الله لنا صورة البعث في الزرع الذي نراه في حياتنا .




وخلاصة القول أن الخلق دليل على القدرة . وإعادة الشيء إلى حاله لا يعجز عنه من صنع أول مرة . وهذه تقبلها العقول دائما بتوفر الحال الأول من قدرة الخالق وارادته عز وجل .

 

مجدي

منتدى التوحيد

 

 

 

 

 

 

 
  
 
 
786965

الدولة عدد الزوار
10
3
2
14