الجبهات المعارضة للقاديانية في الهند وباكستان أدلــتها ومناهجـــها
د. محمد إسماعيل الندوي
الأربعاء 14 يونيو 2017
  كان من المستحيل جدا ً أن يدعي القادياني ادعاءات جديدة في المجتمع الإسلامي في الهند الكبرى     ( الهند وباكستان ) ولم يلق آية معارضة من قبل المسلمين . ومن هنا أسرع العلماء والمحدثون والفقهاء إلى معارضته ، وتفنيد مزاعمه بل تكفيره وإخراجه من حوزة الإسلام . ثم قامت جبهات معارضة  عديدة على طول الهند وعرضها . ومما لاشك فيه أنه كسب شهرة كبرى من جراء هذه المعارضة ، ألا أن دعوته قد تلقت ضربة قاسية وفشلا ً ذريعا ً بهذا السبب مما أدى إلى وقف تيارها الجارف ، ولم يجترئ الجهلاء بعدئذ من الإقتراب إلى القادياني خشية المجتمع الإسلامي السائد الذي كان يخرج كل  من اقترب منه واعجب به من قائمة المسلمين ويقاطعه بحجة أنه ارتد عن الإسلام وانضم إلى صفوف المرتدين أو الكفار والمشركين .  
 
  
  ولا ريب أن سلاح العلماء كان قويا ً جبارا ً في كل العصور وهو تكفيرهم كل أصحاب الزيغ والمعاندين والشواذ من الناس في مجال العقيدة والفكر وطردهم من المجتمع الإسلامي لقد اوقف هذا السلاح تدفق الناس على القاديانية بل شوّه وجوه القاديانيين ، وأصبحت كلمة ( القادياني ) معابة حتى القاديانيين ، لأنه كانوا يستطيعون غيظا ً إذا لقبوا بالقاديانيين بل يفضلون تسميتهم بالأحمديين نسبة إلى أحمد القادياني باني القاديانية .
 
  وماذا كانت أدلة العلماء لتكفيرهم ؟ لقد أجمع العلماء كلهم على اختلاف مذاهبهم الفقهية وعقائدهم الكلامية من الأحناف والوهابيين والمبتدعين بل أن الشيعة على أن القادياني كافر ، لأنه ادعى النبوة ، واعتبر نفسه المسيح الموعود . وهذا باطل بل كفر وضلال . لقد أوردوا جميع الأحاديث الواردة في كتب السنة تلك التي تدل على أن المسيح قد رفع إلى السماء ، وسوف ينزل بقرب القيامة نزولا ً حقيقيا ً ماديا ً كما سنذكر تلك الأحاديث فيما بعد . وأكدوا كذلك أن معنى قوله تعالى ( إني متوفيك ) هو أن الله سوف يكمل عمر عيسى ويستوفيه بعد نزوله من السماء ، لأنه رفع إلى السماء قبل استكماله عمره .
 
  لقد ألّف العلماء كتبا ً عديدة في تفنيد مزاعم القادياني وكفّروه فيها بالإجماع . ولا يمكننا هنا حصر  تلك الجبهات أو أولئك العلماء وكتبهم ، ولكن كان من أبرزهم الشيخ ثناء الله الأمرتسري والشيخ محمد على المنكيري والشيخ انور شاه الكشميري ، وكان أقواهم جميها ً الخطيب البارع الشيخ عطاء الله البخاري. لقد ركّز هؤلاء كلهم جهودهم إلى أن المسيح عليه السلام لم يمت مطلقا ً ، بل رفع إلى المساء ، وسوف ينزل قرب القيامة نزولا ً حقيقيا ً . وكذلك تناولوا حياة القادياني وسلوكه منذ صغر سنه حتى شيخوخته، وعرضوه على ميزان النقد ليعرف الناس : مدى صحة دعواه ، ويتأكدوا أن مثل هذا الرجل الشاذ المنحرف في أخلاقه وسلوكه وأفكاره لا يستحق مطلقا ً أن يسمى عالما ً ، وكيف أذا ادعى بأنه النبي أو المسيح الموعود ؟ وكان قصدهم في كل ذلك : أن عيسى عليه السلام كان نبيا ً ، وسوف ينزل نبيا ً ، وإن اختلفت  وظيفته في المرة الثانية . وإذا ادعى القادياني أنه هو المسيح الموعود ، فإنه في الحقيقة يدعي النبوة. فكل مدعِ النبوة أو المتنبي مرتد كافر ، ينضم إلى صف مسيلمة الكذاب أول متنبي في تاريخ الإسلام . فينبغي للمسلمين محاربة هذا الرجل الكذاب المفتري كما حارب سيدنا أبو بكر مسيلمة الكذاب . وهو من دون شك يسعى إلى فتح باب النبوة من جديد بعد إغلاقه على محمد عليه السلام إلى الأبد ، لأنه كان خاتم النبيين ، ولا نبي بعده ، ولا يستهدف هذا الرجل إلا خلق دين جديد داخل الإسلام لنسخ إسلام محمد العربي ، وصرف أنظار الناس من مكة إلى قاديان مسقط رأسه ومثواه الأخير ليحجوا إليها الناس من أتباعه من كل حدب وصوب .
 
  وعلى هذا النهج سار جميع العلماء فيما بعد وأجمعوا كلهم على تكفير القادياني والقاديانية. ولما قامت دولة باكستان عام 1947م وصارت باكستان الغربية المركز الرئيسي للقاديانيين، بل مركز الخلافة لهم ـــ على حد تعبيرهم ـــ وساعدهم السيد ظفرالله خان ـــ أو وزير خارجية ف باكستان ومن زعماء القاديانيين الكبار ــــ على توطيد مركزهم في باكستان واحتلالهم مناصب حساسة في دولة باكستان . ومن هنا ثار المسلمون الباكستانيون على القاديانيين عام 1953م ، وطالبوا من الحكومة أن تقرر أن القاديانيين أقلية غير مسلمة كالمسيحيين والهندوس ، وتعطيهم الحقوق الواجبة ، وتحدد لهم الأماكن في البرلمانات المحلية والركزية كما فعلت بالنسبة إلى الأقليات الأخرى . ثم صاحب هذه الثورة اضطرابات دامية ومذبحة كبرى قتل فيها آلالاف من الجانبين من المسلمين والقاديانيين على السواء ، فاضطرت الحكومة إلى فرض الأحكام العرفية على البلاد ، واعتقلت زعماء المسلمين الذين أثاروا هذه المشكلة ، وعلى رأسهم الشيخ أبي الأعلى المودودي زعيم الجماعة الإسلامية وحاكمتهم محاكمة عسكرية واصدرت حكم الإعدام عليهم ، ولكن هذا الحكم لم ينفذ ، بل خفف فيما بعد إلى السجن لمدة أربعة عشر سنة ، ثم أطلق سراحهم جميعا ً بعد بضع سنين فقط قضوها ف السجن .
 
  ولكن الشاعر الفيلسوف محمد أقبال سلك أقوى المناهج وأدقها لمهاجمة القاديانية وأبطال مزاعمها .  فقد حمله على الخروج للرد على القاديانية عدد من المقالات التي نشرها زعيم الهند الراحل جواهر لال نهرو في إحدى الجرائد الهندوكية الناطقة باللغة الإنجليزية ، وأعرب فيها عن دهشته من موقف المسلمين من القاديانية واستنكره ، لأن القاديانية على كل حال نبعت من تراب الهند وينبغي للمسلمين  بل الهنود كلهم تشجيعها وتقديرها من الناحية القومية . فقد رد أقبال على نهرو في مقال طويل نشرته جريدة ( استات مان ـــ State Man  ) الاطقة باللغة الإنجليزية في عددها الصادر في يونيو سنة 1935م . وقد ذكر أقبال في هذا المقال : 
 
  أن النظم الإجتماعية والسياسية التي وطد الإسلام دعائمها خالدة خلود الدهر وكاملة بدون نقص او تقصصير . ولذا لا نحتاج أبدا ً إلى وحي أو إلهام بعد محمد عليه السلام يترتب على رفضه الكفر . فإذا ادعى أحد أنه يوحى إليه أو أنه نبي بعد محمد عليه السلام فهو مرتد وخارج عن الإسلام .
 
  ويعتقد القاديانيون أن مؤسس دينهم كان ينزل عليه الوحي، وعلى هذا يكفرون المسلمين في العالم كله بسبب انكارهم رسالة القادياني . ومما استدل به القادياني ــــ على طريقة بعض المتكلمين المسلمين في القرون الوسطى ـــ أن النبي الذي لا تقدر قواه الروحية على توليد أنبياء جدد ستكون رسالته ناقصة . وبهذا يعرض القادياني نفسه على أنه نبي بعد محمد عليه السلام . فإذا وجه إليهم سؤال على أساس زعمه هو : هل هذه القوى الروحية المولدة تقدر على توليد نبي واحد فقط ( وهو القادياني ) أو اكثر  من نبي ؟ أجابوا على ذلك : بأنها لا تولد أكثر من نبي واحد .
 
  ومن هنا يذهبون إلى أن القادياني الذي تولد ـــ على حد زعمه ـــ من نور محمد عليه السلام هو خاتم الأنبياء .
 
  ولم يشعر القاديانيون بخطورة عقيدتهم هذه ونتائجها في التاريخ الإسلامي كله وفي تاريخ آسيا وحضارتها بصفة خاصة . ولذا قالوا : أنه إذا لم يبلغ أحد من أتباع محمد مكانة النبوة فهو رجل ناقص. ويبدو لنا ـــ وأنا أدرس القادياني من الناحية النفسية على ضوء دعواه للنبوة ـــ أن محاولته في اثبات القوة الروحية المولدة لمحمد عليه السلام تلك التي تقدر على خلق الأنبياء ، ما هي إلا لخلق نبي واحد فقط ألا وهو القادياني نفسه ثم يرفض ان محمدا ً عليه السلام خاتم الأنبياء . وبهذا يحاول هذا الرجل اثبات شرعية نبوته ورسالته بطريق سري .
  ويدّعي هذا الرجل أنه مظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقصد به أنه إذا أصبح خاتم الأنبياء فلا يرجع هذا الفضل إلا للرسول عليه السلام ، لأه مجرد مظهر من مظاهر محمد عليه السلام .
 
  ومن البديهي أن كلمة ( البروز ) أو ( مظهر من المظاهر ) ، لا تدل أبدا ً على التشابه أو التماثل كما زعم القادياني ، لأن المظهر يختلف عن الحقيقة التي يبرز منها . ولن يكون المظهر بمعنى الحقيقة إلا في تصور ( الأوتار ـــ Artar ) أو التقمص فقط . وإذا قصد بالمظهر الالتشابه الحقيقي في الصفات الروحية فحسب فإنه يضعف دعواه . فإذا قصد به تصور ( الأوتار ) فلا يبطل دعواه . ولكن عقيدته حينئذ تشبه عقيدة المجوس .
 
  وينبغي في دراستنا لمصادر القاديانية ومنابعها أن نعرف مدى أثر المجوسية والتصوف الإسلامي في القاديانية . لأن الدراسة ستكون مشوقة جدا ً ، ولكن المجل لا يتسع لي الآن لمثل هذه الدراسة . ولذا ينبغي لي القول بأن الحقيقة القاديانية وأصلها ومصدرها تكمن تحت ستار التصوف والعقيدة اللاهوتية للقرون الوسطى . وقد ظن العلماء اليهود أن القاديانية هي مجرد نزعة لاهوتية ، فخرجوا بأسلحتهم اللاهوتية لمحاربتها ، ولكنني أرى أن هذا الأسلوب للمحاربة لا يجدي أبدا ً ، ولذلك لم يحرز العلماء نجاحا ً كبيرا ً في معركتهم .
 
  وإذا حللنا الهامات باني القاديانية بدقة وعناية أمكننا دراسة نفسية هذا الرجل . وبهذا الصدد يحسن بي أن أذكر أن مجموعة من الإلهامات لباني القاديانية التي جمعها ونظرها الشيخ منظور الهي ستكون مادة غزية ومفتاحا ً لدراسة القادياني النفسية . وأرجوا أن يقوم أحد طلاب علم النفس بدراسة جديدة لهذا الكتاب . فإذا هذا الطالب القرىن معيارا ً للدراسة القاديانية ـــ وبناء على بعض الأسباب يتحتم عليه  اتخاذ القرآن مقياسا ً لهذه الدراسة ، ولا يمكنني الآن شرح هذه الأسباب ـــ ثم وسع نطاق دراسته إلى معاصريه المتصوفين الهندوكين أمثال رام كرشنا البنغالي وتجاربه الصوفية سيندهش هذا الطالب بوجود التجاوب المدهش بينهما . 
 
  كأن المسلمون السياسيون يتطلعون إلى علمائهم في أن يوجدوا منهجا ً جديدا ً اشرح دينهم في الظروف الراهنة والتطورات الطارئة . فبذلوا محاولات لإقناعهم في هذا الصدد . ولكن العلماء لم يتكنوا من تحقيق رغباتهم ، لأن المنطق اليوناني الذي سيطر على عقولهم منذ مئات السنين لم يمكنهم ذلك . لأنه  لم يكن في استطاعة هذا المنطق في هذه الظروف أن يخطو خطوة إيجابية نحو الأمام . وهذا الأمر كان ممكنا ً فقط على طريق السياسة أو تفسير جديد للقرآن والحديث . وفي كلا الوجهين لم يكن في وسعهم أبدا ً التأثير في الشعب . فإذن لم يكن لهم بد من اتخاذ وسيلة واحدة إلا وهي الدلائل الربانية ليأسروا بها قلب الشعب الهندي الذي رسخت في قلبه الحماسة الدينية واندفاعاتها . فالعقيدة الراسخة المتوغلة في قلوب أناء الشعب الهندي لم يكن من الميسور أبدا ً محوها أو غرس أفكار جديدة فيها على ضوء التطورات الحديثة إلا عن طريق الوحي والإلهام فقط . 
 
  ان أقبالا ً يوجه هنا نقدا ً شديدا ً إلى منهج مشايخ الهند من المحدثين والفقهاء والمفتين في معالجتهم القاديانية . يرى أقبال أنهم مولعين بمنهج المنطق اليوناني البائد ، ويقصد به انهم مفتونين بالمناظرة والمجادلة على الطرق العقيمة البالية التي تفحم الخصوم مئقتا ً بسبب تلاعب المناظر بالكلمات والعبارات والمصطلحات ، ولكنها لا تقنع الخصوم على الإطلاق . لأنها ليست المنهج العلمي الأكاديمي الذي ينتهجه العلماء الغرب الآن . إن المنهج العلمي الحديث ، يحتاج إلى دراسة مستفيضة للتاريخ والمجتمع وعلم النفس . وحينئذ يستطيع الباحث مناقشة خصومه مناقشة علمية دقيقة . ولم ينتهج العلماء لسوء الحظ هذا المنهج لأنهم كانوا يجهلونه . ولم يبق في أيديهم سوى سلاح واحد ليشهروه في وجه خصومهم وهو الفتوى الدينية . وكانوا يعرفون جيدا ً مدى عمق الحماسة الدينية في الشعب الإسلامي الهندي . فأثاروا هذه الحماسة ضد القاديانية فأفتوا بأن القادياني ينصب نفسه نبيا ً بعد خاتم الأنبياء ، ويدعى بالوحي ، بعد انتهاء الوحي بعد محمد عليه السلام ، ويشرع الشرائع بعد اتمامها على يد نبينا محمد عليه السلام ، وينشئ دينا ً جديدا ً بعد أن ألغى الإسلام جميع الأديان ، وأعلن القرآن ( إن الدين عند الله الإسلام ) ، فكفروه على هذا الأساس فوافقت جماهير المسلمين على هذه الفتوى ، وأخرجوا القادياني منن دائرة الإسلام، وكفروا جميع أصحابه ، ووضعوا أسمائهم في قائمة المرتدين عن الإسلام. ومن هنا لم يتجاوز أحدهم أمور الفقه ، وابتعدوا كل البعد عن المنهج العلمي الحديث ، وفشوا في اقناع الخصوم وكذلك لم يتمكنوا من إيصالهم إلى باب الإسلام مرة أخرى .
 
 

 

 

 

 

 
  
 
الاسم:  
نص التعليق: 
      
 
 
735521

الدولة عدد الزوار
1
2
2
162