مناقشة عقائد الأحمدية واللاهورية
د. محمد إسماعيل الندوي
الأربعاء 14 يونيو 2017
  ومن الواضح البين عندنا ـــ على ضوء قرائتنا لكتب القادياني ـــ أنه لم يدع يوما ً من الأيام بالنبوة الحقيقية ، ولم ينصب نفسه يوما ً نبيا ً حقيقيا ً بعد الرسول عليه السلام ، ينسخ رسالته ويبطل كونه   خاتم الأنبياء ، بل كل ما قاله ـــ كما أوردنا ـــ أنه هو المهدي الموعود ، ثم المسيح الموعود أو النبي وفق عقيدة التجسد . وإذا كان القادياني صحيح العقل والوجدان لحكمنا عليه بالفيس والضلال . ولكنه كان مختل العقل ، وتاهٍ في وادي التصوف المظلم ، وفقد شعوره ووعيه ، ومن هنا ينطبق عليه كل ما ينطبق على المجانين ومفتوني العقل .
 
  وهنا يتسائل المرء : وإذا كان الأمر كذلك ، فلم اتخذت دعوته حركة عالمية ؟ ولماذا صار له   الأنصار والأتباع ؟ ولماذا يزدادون عددا ً وعتادا ً كل يوم ؟ وكيف يقومون بالتبشير لمذهبهم بصورة عالمية ؟ وكذلك كيف استطاع هؤلاء تحويل آلاف من الأفريقيين إلى عقيدتهم ؟  
  الحقيقة أن العوام في ولاية بنجاب مسقط رأسه ـــ كما يرى محم أقبال وهو الآخر في نفس الولاية   كما قلنا ـــ كانوا متوغلين في الخرافات والأوهام إلى أخمص أقدامهم . وكان يسرعون إلى كل من أتى بالخوارق والكرامات ـــ وهي ظاهرة منتشرة في الهند حتى لدى الهندوس ـــ ليؤمنوا به وليشدوا على يديه. ولم يزل العوام في الهند وباكستان يؤمنون بكل الخرافات والخزعبلات ويسلمون زمام أمرهم لكل أفاك أثيم ، إذا أجاد ألاعيب السحر والشعوذة والتنويم المغناطيسي والسيطرة على الجن والعفاريت ،     وإذا اتخذ أزياء الدروايش والزهاد واليوجيين . وبما ان القادياني خطا أشواطا ً بعيدة المدى في مجال التصوف ، واجتار جميع المراحل الشاقة في الرياضات الصوفية وفق مذهب وحدة الوجود ، واستطاع التأثير على الناس وأسر قلوبهم من أول نظرة إليهم كما يعمل الكثير من المنومين المغناطيسيين حتى  هذه اللحظة ، وأتى بألاعيب سحرية كثيرة اعتقد العوام أنها من خوارقه وكراماته . فوقعوا في مكائده وصاروا فريسة لحيله . ولم نزل نرى في هذين البلدين أمواج الناس تتدفق على المتصوفين من هذا النوع ، ومنهم عدد كبير من المثقفين الجامعيين الذي يجهلون الدين وتقتصر ملعوماتهم على اخصاصاتهم فقط مثل الطب والهندسة والزراعة والتجارة وما إلى ذلك . 
 
  وفيما يتعلق بإتخاذ هذه الحركة الصبغة العالمية وانتشارها في أفريقيا واوربا ، فإن هذا الامر ليس ببديع ولا غريب يثير الدهشة ، لأن القاديانية لا تختلف على المسيحية بأية حال . وإذا كان هناك نشاط وحركات تبشيرية قوية للمسيحية في العالم أجمع ، مع أنها هي الأخرى تنتهج المنهج المتشابهة  للقاديانية ، وهو عرض المسيح في زي الألوهية وفق عقيدة التجسد ، فإن القاديانية دونها خرافة ، لأنها لا  تعرض القادياني في مظهر الله سبحانه ، بل تعرض المسيح الرسول في ظهر القادياني . كذلك  أخذت القاديانية جميع أساليب الحركات التبشيرية ، وانتهجت نفس مناهجها التبشيرية ، ولم يزل الإستعمار في عونها ، وذلك وفاء وجزاء لخدمة القادياني للحكومة البريطانية العظمى من قبل . 
 
  ولقد وجدنا من قبل (1) أن الجماعة الأحمدية التي يتولى زعامتها أبناء القادياني نفسهم، تحاول إعطاء القادياني صبغة نبي مستقل وذلك لكسب الشهرة والشعبية ، ونيل المال والجاه واستقلالهم بالزعامة الدينية ، وكان ذلك لى حساب أبيهم ـــ منشئ القادياني ـــ ليقبل عليهم الناس ويقبلون أيديهم ويغدقون عليهم الأموال والجوائز . إن هذه الشهوة النفسية والتجارة الدينية هي التي حملتهم على عرضه في صورة نبي من الأنبياء ، مع أنه لم يدع بالنبوة الحقيقية على الإطلاق ، كما تشهد بذلك كتبه ومؤلفاته جميعا ً . ولكن هذه الجماعة مع ذلك لا تجهر بالقول أنه نبي مستقل لا علاقة له بمحمد عليه السلام ودينه وقرآنه ، بل تلجأ إلى أساليب التلفيق والتأويل والتزوير والتحريف . فحينا تقول : أنه المهجي المنتظر ، وحينا آخر أنه مثيل المسيح المنتظر وشبيهه ، وتارة أنه هو المسيح ، وتارة أخرى أنه نبي من الأنبياء ولكنه لم يأت بشريعة جديدة ، بل أبقى شريعة محمد . ولكنها تستغل الكثير من مزاعم القادياني وهذيانه لعرضه في صورة نبي مثل ان الله أوحى إليه وأعطاه الآيات والمعجزات . ومن هنا ينبغي لنا مناقشة موضوع النبوة والنبي في الإسلام ، وحقيقة الوحي والخوارق في الإسلام .
 
_____________
 (1) انظر ص          من هذا الكتاب 
 
الــــنـبوة والأنبيـــــاء
  قد جرت سنة الله سبحانه أن يرسل رسله في ساعات عصيبة من تأخير الإنسان حيث ينسى الناس ربهم ويتخبطون في دياجير الظلام ويقعون في أنواع الضلال والكفر والشرك والمعاصي والطغيان والفساد . ثم يسعون ـــ إذا كانوا ممن أوتوا العلم من قبل ـــ إلى تحريق كتبهم ويغالون في دينهم . وأن الرسل حينما يبعثون في مثل هذه الأجزاء والبيئات المحيطة بهم والمتوغلة في الفساد إلى أقصى الحدود تأخذهم الرأفة ويصممون على إصلاحها ، وإنقاذ الشعب من الأيدي الظالمة للحكام الوثنيين الذين يسخرونه ويذيقونه سوء العذاب ويذللونه ، ويمارسون هذه أنواعا ً من الطغيان والإرهاب لإخضاعهم وسيطرتهم لتحقيق مآربهم وتوطيد سلطانهم . ولذلك يرفع الأنبياء أصواتهم ضد جميع هذه المظاهر . ومن هنا كانت تتقلب عليهم أقوامهم ، ويهددهم حكامهم بالإعدام ، وكم من الأنبياء قتلوا على أيدي الطغاة من الحكام . ولو افترضنا لبرهة أن الطائفة الأحمدية اتخذت القادياني نبيا ً لها ، فلا يصح هذا منها مطلقا ً . لأن حياة القادياني تعارض سيرة الأنبياء معارضة كاملة من جميع الوجوه . أولا : أن النبي يكون سليم الجسم والعقل ، وقد كان القادياني مختل العقل والفكر ، وثانيا ً : أن النبي يأتي بكل الأشياء من عند الله سبحانه مباشرة ، ولم يسبق له أن دخل المدارس ، وتعلم العلوم ، وتتلمذ على بشر كما هو الشأن بالنسبة إلى رسولنا محمد . ولكن القادياني قد تعلم لغات عديدة وأتقن علوم الملل والنحل وتبحر في الدراسة المقارنة للأديان ، وناظر القسيسين والرهبان ، كل ذلك قبل إعلانه المهدية لنفسه . وثالثا ً : أن الأنبياء يشنون هجوما ً عنيفا ً على الحكام المشركين الطغاة . فكان يجب عليه أن يعلن الجهاد ضد المشركين الذين قضوا على الدولة الإسلامية في الهند ، وحطموا معالم الحضارة الإسلامية ، وأحلوا محلها الحضارة الصليبية المشركة ومارسوا جميع أنواع الإرهاب والطغيان وقتلوا آلافا ً من المسلمين الأبرياء وأدخلوا إلى البلاد الديانة المسيحية المشركة ـــ لأول مرة ـــ تلك التي لا تختلف عن الهندوكية في إيمانها بالأوتار وعرضها المسيح في مظهر الألوهية ، بل أخذ هو هذه العقيدة من  المسيحية وطبقها على نفسه . وبهذا ظل القادياني عبدا ً مأجورا ً للإنجليز وعميلا ً لهم طول حياته ، كما كان على ذلك أبوه وأخوه : وإذا آمن أحد بأنه نبي فلم يسبق في تاريخ الأنبياء مثيل لهذا النبي الأجير العميل .
 
  ان القادياني عارض القرآن معارضة شديدة ـــ إذا كان مؤمنا ً كما زعم ـــ في موالاته للإنجليز وجريه ورائهم ، لأن الله يقول : 
 
  1- ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم . قل : إن هدى الله هو الهدى . ولئن اتبعت أهوائهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير . (1)     
 
  2- يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ، لا يألونكم خبالا ً . ودوا ما عنتم . قد بدت البغضاء من أفواههم . وما تخفي صدورهم أكبر . قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون . (2)    
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة 2/120 .
(2) آل عمران 3/118 .
  ومن ناحية أخرى فإن القادياني عاش حياته الأولى كأي رجل عادي ، وتقلب في الوظائف الرسمية للإنجليز ، وشهد عدد من زملائه وأصدقائه على أنه ارتكب ذنوبا ً كثيرة في صباه وشبابه كأي فرد عادي في المجتمع الهندي آنذاك ، وينسبون إليه أمورا ً كثيرة مثل الشذوذ الجنسي وأشياء أخرى لا يصح ذكرها هنا . ولكن الأنبياء كانوا أبرياء من جميع المعاصي والذنوب . وإذا حدث لأحد منهم أن اقترب إلى معصية بفرط البشرية كان الله منقذه كما أنقذ سيدنا يوسف من كيد امرأة فرعون تلك التي راودته لنفسها . وفي ذلك قول الله تعالى " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه " .
 
  وإليكم ما أورده الإمام بن حزم في عصمة الأنبياء : فبيقين ندري أن الله تعالى صان أنبياءه عن أن يكونوا لبغية أو من أولاد بغي أو من بغايا بعثهم الله تعالى في حسب قومهم .
 
  فإذا لاشك في هذا فبيقين ندري : أن الله تعالى عصمهم قبل النبوة من كل ما يؤذون به بعد النبوة . فدخل في ذلك السرقة والعدوان والقسوة والزنا واللياطة والبغي وأذي الناس في حريمهم وأموالهم وأنفسه وكل ما يعاب به المرء ويشتكي ويؤذى بذكره .
 
  ثم أورد ما رواه علي بن أبي طالب : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما هممت بقبيح مما كان بأهل الجاهلية يهمون به إلا مرتين من الدهر كلتاهما يعصمني الله منها . قلت لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في أغنام لها ترعى : أبصر لي غنمي حتى أبصر هذه الليلة بسمر الفتيان . قال :  نعم . فلما خرجت فجئت أدنى دار من دور مكة ، سمعت غناء وصوت دفوف وزير . فقلت ما هذا ؟ فقالوا : فلان تزوج فلانة لرجل من قريش . فلهوت بذلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني ، فما أيقظني إلا مس الشمس . فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته .
 
  يقول بن حزم في تعليقه على هذا الكلام . " فصح أنه عليه السلام لم يعص قط بكبيرة ولا بصغيرة لا قبل النبوة ولا بعدها . ولا بمعصية صغرت أو كبرت لا قبل النبوة ولا بعدها إلى مرتين بالسمر ، ربما كان بعض ما لم يكن نهى عنه بعد . والهم حينئذ بالسمر ليس هما بزنا ولكنه بما يحزوا إليه طبع البرية من استحسان منظر حسن فقط . وبالله تعالى التوفيق (1) " . 
 
 

 

 

 

 

 
  
 
الاسم:  
نص التعليق: 
      
 
 
787006

الدولة عدد الزوار
31
3
2
14